سنوات من البحث عن المفقودين: نساء يدفعن ثمن الحرب في دارفور

قصة إنسانية : إنعام النور 

في الحروب، لا يختفي الناس وحدهم، بل تختفي معهم الإجابات. خلف كل مفقود في دارفور تقف أسرة كاملة تعيش على الاحتمالات، وزوجة تؤجل الحداد، وأطفال يكبرون وهم يبحثون عن آباء غابوا دون أثر من خلال شهادات نساء من دارفور، يتتبع هذه القصة الانسانية الوجه الأقل ظهوراً للحرب و هو حياة أولئك اللواتي ما زلن ينتظرن رجالاً خرجوا ذات يوم ولم يعودوا.

و في إحدى ليالي مخيمات اللجوء بشرق تشاد، كانت “آمنة” تحاول إقناع طفلها بالنوم ، تبدو الرياح الباردة تتسلل عبر أطراف الخيمة المهترئة فيما ظل الطفل يحدق في باب الخيمة كأنه ينتظر أحداً و قبل أن يغمض عينيه، سألها بصوت صغير: أمي… بابا لسه في الطريق ؟

توقفت للحظة ، لم يكن السؤال جديداً لكنه في كل مرة كان يفتح داخلها حفرة أعمق ، نظرت إلى طفلها الآخر الرضيع الذي وُلد بعد اختفاء والده بأسابيع ثم أعادت عينيها إلى الظلام خارج الخيمة “الله كريم يا ولدي” لم تقل نعم ولم تستطع أن تقول لا .

منذ ثلاث سنوات، تعيش آمنة داخل هذه المنطقة الرمادية التي صنعتها الحرب في دارفور لا هي زوجة تملك رجلاً يعود إليها، ولا أرملة تملك قبراً تبكي عنده.

و في أبريل 2023، حين تحولت الجنينة إلى مدينة مفتوحة على القتل والحرق والمطاردات الجماعية، اختفى زوجها أثناء محاولته إخراج العائلة من حي الثورة التي اجتاحها العنف قال لها إنه سيعود بعد دقائق ليحضر والدته العجوز ، و لكن خرج… ولم يعد.

كان زوجها يعمل في تجارة الأدوات المنزلية داخل سوق الجنينة تضيف أنها حتى اليوم لا تستطيع المرور قرب بائع البسكويت دون أن تتذكر طريقته وهو يخفي الحلوى داخل جيبه ليُفاجئ ابنه الأكبر.

تقول أمنة في البداية ، اعتقدت أنه معتقل ثم قيل لها إنه شوهد حي الجمارك بعدها أخبرها أحد الناجين أن مجموعة من الرجال اقتيدوا إلى جهة مجهولة قرب أطراف مدينة الجنينة ومنذ ذلك اليوم، لم تصل معلومة واحدة مؤكدة.

أمنة “في الشهور الأولى كنت أركض وراء أي خبر, أي زول يقول لي شافو في مكان أمشي أي كشف معتقلين افتشو. أي فيديو أراجع الوجوه فيه. كنت حاسة لو بطلت أبحث يبقى أنا بخونو.”

باب خيمة مفتوح عند الغروب في مخيم لجوء بشرق تشاد

و تضيف إن أصعب ما واجهته لم يكن الجوع ولا النزوح و لا اللجؤ بل “الانتظار” لو قالوا لي مات… يمكن أبكي وأعرف أعيش و لكن الغياب بدون جواب بقتل الروح حبة حبة.”

حياة كاملة معلّقة

بعد ثلاث سنوات من الحرب، ما تزال آلاف الأسر السودانية تبحث عن رجال اختفوا أثناء الهروب من المدن المحاصرة، أو عند نقاط التفتيش، أو بعد الاعتقال، أو خلال الهجمات التي اجتاحت أحياء كاملة في دارفور.

في الجنينة والفاشر ونيالا، لا تتذكر النساء فقط لحظة الاختفاء، بل يتذكرن أيضاً الفوضى التي سبقتها: أصوات الرصاص، الناس الذين كانوا يركضون في كل الاتجاهات، الهواتف التي توقفت عن العمل بسبب قطع الاتصالات، والجثث التي تُركت في الطرقات بينما كانت العائلات تحاول النجاة بأطفالها.

وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن عدد ملفات المفقودين المسجلة لديها في السودان تجاوز 11 ألف حالة، مع زيادة مستمرة في البلاغات، وسط صعوبات كبيرة في الوصول إلى المعلومات والتوثيق أثناء الحرب. 

ووفقا لتقارير تعيش أسر سودانية عدة معاناة يصعب وصفها بسبب اختفاء أبنائها في ظروف غامضة منذ سيطرة قوات “الدعم السريع” على الفاشر في الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إذ لا يزال مصير الآلاف مجهولاً ، خاصة في ظل ارتكاب هذه القوات انتهاكات واسعة ضد المدنيين وتنفيذ تصفيات ميدانية وحشية، وحدوث مئات الوفيات.

وتشير تقديرات حقوقية غير رسمية إلى أن عدد المفقودين قد يصل إلى عشرات الآلاف وتتهم قوات الدعم السريع و الجيش السوداني بالتورط في عمليات احتجاز واعتقالات غير قانونية في حق المدنيين بدارفور في وقت لم يفقد ذويهم الأمل بالوصول إليهم من خلال البحث بجميع الطرق والوسائل المتاحة.

يقول الفاروق ابراهيم الناشط في منظمات المجتمع المدني تحولت غرف الطوارئ والمتطوعون المحليون إلى واحدة من الجهات القليلة التي تحاول مساعدة العائلات في البحث عن المفقودين أو توثيق أسمائهم. ففي ظل غياب مؤسسات رسمية واضحة، أصبحت مجموعات المتطوعين تنشر بلاغات الفقدان، وصور المفقودين، وأسماء الناجين عبر صفحات محلية ومجموعات واتساب وفيسبوك، خصوصاً في دارفور. 

و يضيف لكن كثيراً من النساء يقلن إن هذا الجهد، رغم أهميته، لا يكفي أمام حجم المأساة.

حقيبة صغيرة بدل قبر

اما “هدى سليم ” 25 عام تحتفظ بحقيبة صغيرة لم تفتحها منذ ثلاث سنوات داخلها ملابس زوجها، ومصحف صغير، وصورة عائلية قديمة.

تقول “دي آخر حاجات لمسها قبل يختفي” وصلت هدى إلى أوغندا بعد رحلة نزوح طويلة بدأت من الجنينة، المدينة التي غادرتها وهي حامل، قبل دقائق من اختفاء زوجها، أعاد لها الحقيبة وقال: “ لو اتأخرت أمشي مع الأطفال ” وقتها، معتقدة أنه سيعود لكنه لم يعد حتي الأن.

اليوم، تعمل هدى في مطعم صغير بكمبالا، بينما تحاول في نهاية كل شهر دفع إيجار الغرفة وإرسال طفلتها إلى الحضانة أحياناً.

تقول إن الحرب أجبرتها أن تصبح “شخصية تانية” و التعب الحقيقي يبدأ حين تعود ليلاً بعد أن تنام طفلتها، تسحب الحقيبة نحوها ببطء، وتفتحها كأنها تخشى أن يتسرب منها ما تبقى من زوجها.

تخرج ملابسه أحياناً، تقربه من وجهها، ثم تعيده سريعاً. ابنتها الصغيرة التي وُلدت بعد اختفاء والدها، تشير إلى الصورة القديمة وتسأل: “دة منو؟” فتجيبها هدى بصوت منخفض“أبوكِ.”

ثم تصمت، لأن شرح الغياب لطفلة صغيرة يبدو أصعب من تحمله تقول إنها فكرت مرات كثيرة في التخلص من الحقيبة، أو إغلاقها نهائياً، لكنها لا تستطيع.

ولا يقتصر أثر الاختفاء على الزوجات فقط، بل يمتد إلى الأطفال الذين يكبرون داخل فراغ لا يعرفون كيف يملأونه.

تقول هدى إن ابنتها التي لم تتجاوز السادسة من عمرها أصبحت تطرح أسئلة أكثر تعقيداً كلما كبرت “مرات تسألني: لو أبوي حي ليه ما رجع؟ ولو مات ليه ما عندو قبر نمشي نزورو؟”

أما طفلتها الصغرى التي وُلدت بعد اختفاء والدها، فلا تعرفه إلا من خلال صورة قديمة تحتفظ بها الأسرة.

و تضيف إن أصعب اللحظات تأتي عندما تعود طفلتها من المدرسة بعد أن تتحدث زميلاتها عن آبائهن.

“في يوم قالت لي: كل البنات آباءهم بجوا المدرسة إلا أبوي.” و تضيف في المدرسة طلبت المعلمة من الأطفال رسم عائلاتهم عادت ابنتي إلى البيت وهي تحمل رسمة لرجل طويل يقف قربها سألتها أمها: “دا منو ؟ أجابت الطفلة ببساطة: “أبوي… رسمتو زي الصورة”.

أطفال يكبرون وهم يحاولون رسم آباء غابوا دون أثر

لا تجد هدى إجابة شافية فالأطفال لا يفهمون معنى الاختفاء القسري، ولا يستوعبون كيف يمكن لإنسان أن يغيب سنوات دون أن يعرف أحد إن كان حياً أم ميتاً.

ومع مرور الوقت، لا يكبر الأطفال فقط، بل تكبر معهم الأسئلة التي لا تجد إجابات، بينما تتحول صور الآباء الغائبين إلى ذاكرة يحاول الصغار التمسك بها حتى لا تختفي هي الأخرى.

النساء اللواتي توقف الزمن عندهن

في مدن دارفور، لا تُقاس الحرب فقط بعدد القتلى أو المدن المدمرة، بل بعدد النساء اللواتي توقف الزمن عندهن منذ اللحظة التي اختفى فيها أزواجهن.

تقول “مريم عثمان” 29 سنة نازحة من مدينة الفاشر نازحة في طويلة إن أكثر ما يخيفها ليس احتمال موت زوجها، بل أن تنساه التفاصيل الصغيرة فيه

“مرات بخاف انسى صوته الحقيقي، بخاف انسى الطريقة البضحك بيها أو شكل خطواتو وهو داخل البيت.”

تجلس مريم كل مساء قرب هاتفها المحمول، تراجع صوراً قديمة ومقاطع فيديو قصيرة التقطتها الأسرة قبل الحرب ، تقول إنها تفعل ذلك حتى “يبقى حاضراً”.

بعد اختفاء زوجها أثناء النزوح، أصبحت مريم المعيلة الوحيدة لأطفالها الأربعة ، لكن المسؤوليات اليومية لم تُنهِ الانتظار، بل جعلته أكثر قسوة.

في النهار، تعمل من أجل أطفالها أما في الليل فتعود الأسئلة القديمة كلها دفعة واحدة و في الليل بحس إنو الزمن وقف و الناس حولي بتتحرك، الأطفال كبروا، لكن أنا لسة واقفة في نفس اليوم الاختفى فيه.

هذا التوقف الداخلي يتكرر في حياة كثير من النساء اللواتي فقدن أزواجهن دون معرفة مصيرهم فالحرب لم تمنحهن يقين الموت، حتى يبدأن الحداد، ولم تمنحهن عودة تنهي الانتظار تركتْهن فقط داخل منطقة معلقة بين الاحتمالين.

ورغم أن معظم الأسر ما تزال عالقة في دائرة الانتظار، فإن بعض العائلات تعثر أحياناً على خيوط صغيرة تعيد إشعال الأمل، أو تزيد الغموض تعقيداً.

لكن ليست كل القصص تنتهي بالصمت الكامل ، في إحدى معسكر علاشا بشرق تشاد تحتفظ “عائشة آدم” (اسم مستعار) بهاتف قديم أصبح بالنسبة لها أغلى ما تملك قبل أشهر، وبينما كانت تتصفح مقاطع مصورة وصلت عبر تطبيق واتساب، توقف إصبعها فجأة عند وجه مألوف داخل مقطع قصير صُوِّر داخل سجن دقريس بمدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور.

تقول عائشة إن زوجها اختفى منذ عام 2023 أثناء محاولته مغادرة المدينة مع مجموعة من المدنيين طوال ثلاث سنوات لم تتلقَّ أي معلومة مؤكدة عنه، إلى أن وصلها ذلك الفيديو.

تبين “في البداية افتكرت إني بتوهم. رجعت الفيديو عشرات المرات كبرت الصورة وقفتها ثانية ثانية. كنت شايفة نفس العينين، نفس العلامة الصغيرة فوق الحاجب.”

لم يكن الفيديو واضحاً بما يكفي ليحسم كل الشكوك، لكنه كان كافياً ليقلب حياتها من جديد بدلاً من إنهاء الانتظار تقول عائشة إنها قضت ليالي طويلة وهي تعيد مشاهدة المقطع القصير الذي لا يتجاوز دقائق معدودة.

“الناس قالوا لي مبروك، لقينا أثر ليه لكن أنا ما حسيت بالفرحة حسيت بخوف أكبر لأنو فجأة بقى عندي أمل جديد، والأمل ذاته بقى متعب.”

عائشة : تتصفح هاتفها في الليل , إضاءة الهاتف فقط على وجهها وهي تبحث بين الصور ومقاطع الفيديو

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد غياب زوجها مجهولاً تماماً، لكنه لم يصبح مفهوماً أيضاً تحول من سؤال بلا أثر إلى أثر بلا إجابة فبعد ثلاث سنوات من البحث، لم تحصل عائشة على الحقيقة التي كانت تنتظرها، بل على احتمال جديد يضيف طبقة أخرى من الأسئلة.

“حتى الحداد ما قادرين نعملو”

أما “سعاد” (اسم مستعار) 30 عام ، نازحة من مدينة نيالا، تعيش اليوم داخل منزل صغير استأجرته بعد رحلة نزوح طويلة ، كل ما تحمله هو دفتر صغير يخص زوجها الذي كان يسجل فيه مصروفات المنزل تقول إنها لم تسمح لأطفالها بالعبث بها كثيراً “يمكن دي آخر حاجة بتذكرني بيه”.

اختفى زوجها أثناء خروجه لإحضار مواد غذائية خلال الأيام الأولى من القتال في نيالا في البداية اعتقدت سعاد أن الأمر مجرد تأخير عادي بسبب الاشتباكات المنتشرة في المدينة. انتظرت ساعات، ثم يوماً كاملاً، ثم أسبوعاً. بعد ذلك بدأت رحلة البحث التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

تقول إنها راجعت أسماء ناجين نُشرت ، وسألت الوافدين من الأحياء التي شهدت القتال، واتصلت بأشخاص لم تكن تعرفهم من قبل فقط لأن أحدهم أخبرها أنهم ربما شاهدوا زوجها في مكان ما.

سعاد: كل مرة أفتش في خبر جديد وكل مرة أرجع لنفس النقطة حتى الحداد ما قادرين نعملو الحداد عايز حقيقة، ونحن ما عندنا حقيقة

تقول إن بعض أقاربها نصحوها بأن تتوقف عن الانتظار، بينما حاول آخرون إقناعها بأن تتمسك بالأمل “الناس كلها عندها رأي، لكن ما في زول عايش الشعور البعيشه أنا وتتابع “أنا ما قادرة أعيش كزوجة وما قادرة أحزن كأرملة “

بالنسبة لسعاد، لا يتمثل الألم في الفقد وحده، بل في غياب اليقين فالموت، رغم قسوته، يمنح العائلة نهاية واضحة تبدأ بعدها رحلة الحداد أما الاختفاء، فيترك الباب مفتوحاً على جميع الاحتمالات.

تقول إنها أحياناً تتخيل أنه سيطرق الباب فجأة، ثم تعود لتلوم نفسها على هذا الأمل. وفي أحيان أخرى تحاول إقناع نفسها بأنه رحل ولن يعود، لكنها تشعر بالذنب لمجرد التفكير في ذلك.

وتضيف أن أصعب اللحظات تأتي في المناسبات والأعياد، حين يسأل الأطفال عنه، أو عندما تضطر لاتخاذ قرارات كان يتخذها هو سابقاً.

هذه المنطقة الرمادية هي أكثر ما يستنزف النساء فهن لا يعشن فقط ألم الفقد، بل ألم الغموض أيضاً لا يملكن يقين الموت حتى يبدأن الحداد، ولا يملكن دليلاً على الحياة حتى يتمسكن بالأمل كاملاً وبين هذين الاحتمالين، تتوقف حياة كاملة عند لحظة اختفاء لم تنتهِ بعد.

الغياب كعبء قانوني واجتماعي

في النزاعات، لا يترك الاختفاء جرحاً نفسياً فقط. يخلق شبكة كاملة من التعقيدات حول الأوراق، الميراث، الوصاية، المساعدات، وقرارات الأسرة. المحامية سواكن الطيب تعمل كمستشارة قانونية مع نازحات من دارفور تقول إن زوجات المفقودين غالباً ما يجدن أنفسهن أمام وضع لا يعترف بتعقيده أحد.

“المرأة لا تستطيع إثبات وفاة الزوج، ولا تستطيع التعامل معه كحاضر. هذا يؤثر على حقها في إدارة شؤون الأطفال، وفي بعض المعاملات القانونية، وفي الإرث، وفي الوصول إلى بعض أشكال الدعم. لكن الأثر الأعمق اجتماعي: المجتمع يطلب منها الانتظار، بينما الحياة اليومية تطلب منها أن تتصرف كأنها وحدها.ي.  

و تضيف أن كثيراً من النساء لا يملكن وثائق كاملة بعد النزوح، وبعضهن فقدن الأوراق أثناء الهروب، ما يجعل إثبات الروابط الأسرية أو متابعة البلاغات أكثر صعوبة. وفي ظل انهيار المؤسسات في مناطق واسعة من دارفور، يصبح البحث عن المفقودين عملية شخصية مرهقة تعتمد على الشهود، والمكالمات، والقوائم غير الرسمية، ومقاطع الفيديو، وأخبار الناجين.

و تشير الي ان تقارير أممية وحقوقية وثقت أن مناطق في دارفور، خصوصاً الجنينة، شهدت أنماطاً واسعة من القتل والانتهاكات والنزوح القسري خلال الحرب، مع صعوبة كبيرة في الوصول والتوثيق الكامل بسبب استمرار العنف وانهيار الخدمات. وفي مثل هذه البيئات، لا تضيع الجثث وحدها، بل تضيع معها الأدلة، والأسماء، والقدرة على إغلاق الحكايات.

و تتابع رغم أن القانون الإنساني الدولي يُلزم أطراف النزاع بتسليم المفقودين وجثث القتلى، إلا أن غياب آليات الرقابة الفعالة يجعل هذه المادة القانونية حبراً على ورق.

الغياب الذي يربك الحياة

تصف دكتورة هديل ابراهيم اختصاصي صحة نفسية تعمل مع أسر نازحة في معسكرات شرق تشاد ان هذه الحالات تسمى بـ”الفقد الغامض”، حين يغيب الشخص دون حسم، فلا تملك العائلة يقين الموت ولا أمل العودة المؤكد.

و تقول في هذا النوع من الفقد، لا يستطيع العقل أن يحزن بصورة كاملة، ولا أن يواصل الحياة بصورة طبيعية و يبقى الناس عالقين بين احتمالين متناقضين: ربما يعود، وربما لن يعود أبداً و تضيف ان هذا التناقض يستهلك النساء نفسياً مع مرور السنوات.

اختصاصي نفسي: الانتظار الطويل بيخلي المرأة تعيش في حالة استنفار دائم أي خبر، أي مكالمة، أي شائعة ممكن تعيدها لنقطة البداية

و تشير هديل الي ان بعض النساء أصبحن يعشن في حالة ترقب مستمرة، كأن أجسادهن لم تعد تعرف معنى الأمان الكامل النوم المتقطع، القلق، الخوف من الأخبار، والانهيار المفاجئ عند سماع أسماء أو أماكن مرتبطة بالحرب، كلها تحولت إلى جزء من الحياة اليومية.

و ان كثيراً من النساء يشعرن بالذنب إذا ضحكن، أو إذا حاولن الاستمرار في حياتهن، كأن التكيف مع الحياة يعني التخلي عن الغائب.

ومع مرور السنوات، يبدأ الإرهاق النفسي في الظهور حتى على تفاصيل الحياة الصغيرة: نساء يفقدن القدرة على التركيز، أخريات يعجزن عن اتخاذ قرارات بسيطة، وبعضهن يدخلن في عزلة طويلة لأن الحديث عن المفقود يعيد الألم كاملاً في كل مرة.

طريق مفتوح على الغياب

في تلك الليلة، ظلت آمنة مستيقظة تحدق في باب الخيمة المفتوح على العتمة و خارج الخيمة، كانت الرياح تحرك الغبار بين الممرات الضيقة، فيما نام الأطفال أخيراً بعد يوم طويل من الحر والانتظار وصفوف المياه.

فجأة، استيقظ ابنها مذعوراً من النوم اقترب منها وهمس بصوت نصف نائم “أمي… لو بابا رجع وما لقانا ؟

هذه المرة ، لم تجبه آمنة شدته فقط نحو صدرها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالطريق المظلم خارج الخيمة، الطريق نفسه الذي خرج فيه زوجها ذات يوم وهو يقول إنه سيعود بعد دقائق لكن الدقائق تحولت إلى ثلاث سنوات ، ثلاث سنوات كبر فيها الأطفال، وتعبت النساء من ملاحقة الأخبار والشائعات، بينما بقي الغياب كما هو مفتوحاً، بارداً، وثقيلاً.

وبالنسبة لآمنة، لم تتوقف الحرب يوم غادرت الجنينة. ما زالت مستمرة كل ليلة، في السؤال نفسه الذي لم تجد له جواباً منذ ثلاث سنوات: أين ذهب الرجل الذي خرج لدقائق ولم يعد؟

فخلف كل مفقود في دارفور، لا توجد قصة غياب واحدة، بل عائلة كاملة عالقة بين الأمل والفقد. وبينما يظل مصير آلاف الأشخاص مجهولاً تواصل نساء كثيرات إبقاء أبواب الانتظار مواربة، لا لأنهن متأكدات من عودة الغائبين، بل لأنهن لم يحصلن بعد على الحقيقة التي تسمح لهن بإغلاقها.

تبحث عن الحقيقة؟

إشترك في مجلتنا الإخبارية ليصلك كل جديد