تقرير: إنعام النور
ظل جثمان طارق بحر الدين أمام منزله بحي التضامن في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور لأسبوعين. كانت أسرته تعرف مكانه ، لكنها لم تستطع الوصول إليه ، القناصة والقتال اللذان اجتاحا المدينة جعلا محاولة استرداد الجثمان مخاطرة قد تضيف موتى آخرين إلى الطريق.
وعندما أصبح الوصول إلى طارق ممكناً، نُقل إلى مقبرة الغابات. لكنه لم يحصل على قبر منفرد. دُفن داخل قبر جماعي مع آخرين.
خلال أسابيع قليلة من عام 2023، تحولت الجنينة إلى مدينة يفرض فيها الموت أماكن دفنه. لم تعد المقابر المعروفة هي الوجهة الوحيدة للجثامين؛ فمع اشتداد القتال واستحالة الوصول إليها في أحيان كثيرة، دُفن الموتى حيثما أمكن: داخل أحواش المنازل، وفي الأحياء وعلى جوانب الطرق، وفي حفر جماعية أُعدت على عجل. وفي مقبرة الغابات وحدها، دُفن ما لا يقل عن ألف شخص خلال أكثر من سبعة أسابيع.
يتتبع هذا التقرير ما بقي بعد دفن موتى الحرب؛ ويفحص ما فعلته سنوات المطر والسيول وعودة السكان بهذه المواقع، وما قد تخفيه تحت الأرض من مخاطر بيئية محتملة، وأدلة جنائية، وخيوط قد تقود أسر المفقودين إلى مصير أحبائها.
دفنوا موتاهم حيث استطاعوا
لم يكن طارق حالة استثنائية، وثقت هيومن رايتس ووتش شهادات عشرة أشخاص شاركوا في دفن أو شاهدوا دفن نحو 3,900 شخص في الجنينة بين 24 أبريل/نيسان و15 يونيو/حزيران 2023، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية زيادة في أعداد القبور في ست مقابر بالمدينة. وبعد منتصف يونيو، توالت التقارير عن مواقع دفن جماعي أخرى في المدينة ومحيطها.
و لم يكن الدفن ممكناً دائماً في مقابر المدن. ففي الجنينة، وثقت هيومن رايتس ووتش منع قوات الدعم السريع ومسلحين متحالفين معها عمليات دفن وتهديد أشخاص حاولوا الوصول إلى الجثامين، ما دفع بعض الأسر إلى دفن موتاها داخل المنازل. وفي الفاشر، جعل الحصار والقتال الوصول إلى المقابر العامة متعذراً في فترات مختلفة، فظهرت قبور داخل الأحياء والمساجد. أما في نيالا، فوثقت مصادر حقوقية بقاء جثامين في الشوارع ودفن أخرى على عجل خلال المعارك.

لكن بعض الموتى لم يصلوا إلى المقابر أصلاً، في حي التضامن، بقي جثمان أحد أفراد أسرة “ص.ع” داخل المنزل بينما كانت المعارك تجعل الخروج مخاطرة قد لا يعود منها من يغادر. تقول: “ظل الجثمان معنا ولم نستطع إخراجه الطريق إلى المقابر كان خطراً، وكل من يخرج كان يمكن ألا يعود. في النهاية حفرنا داخل حوش المنزل ودفناه هناك. لم نكن نعرف عمق المياه ولا نفكر في المطر أو التربة. لم يكن لدينا خيار آخر.
انتهى القتال حول المنزل، لكن قصة القبر لم تنته. عندما جاء الخريف، بدأت مياه الأمطار تدخل الحوش وتمر بالقرب من موضع الدفن. تقول “ص.ع”: “الشيء الذي فعلناه لإنقاذ كرامة ميتنا وقت الحرب أصبح شيئاً لا نعرف كيف نتعامل معه بعد عودة الحياة.
في أجزاء أخرى من الجنينة، كان متطوعون يتعاملون مع أعداد أكبر من الجثامين. يقول متطوع من شارع الحوادث إن المشكلة لم تكن في اختيار المكان الأنسب للدفن، بل في الوصول إلى الموتى والعودة أحياء. “كانت هناك أعداد كبيرة، وأحياناً جثث بقيت أياماً. عندما تتاح فرصة نخرج وندفن أكبر عدد نستطيع. الحرب هي التي كانت تحدد أين وكيف ندفن”. وبعد سنوات، لا يزال يتذكر بعض المواضع، لكن الأرض نفسها تغيرت. “بعض العلامات اختفت. المطر غيّر الأرض، وبعض المناطق عاد إليها السكان. أخشى أن تأتي لحظة لا يعرف فيها أحد أن تحت هذا المكان أشخاصاً دُفنوا أثناء الحرب».
الجثث على طريق الهروب
ولم تقتصر جغرافيا الدفن على المدينة ومقابرها. على الطريق الذي يصل الجنينة بمدينة أدري التشادية تقع منطقة “مرا جربي”، وهي نقطة على أحد أهم مسارات الخروج من غرب دارفور نحو الحدود التشادية؛ الطريق نفسه الذي عبرته أعداد كبيرة من الفارين واللاجئين خلال موجات العنف التي اجتاحت الولاية.
كانت “ت.ع” واحدة ممن سلكوا ذلك الطريق. تقول إن والدها دفع مبالغ مالية كبيرة لعناصر من قوات الدعم السريع مقابل إخراجها من الجنينة. لكنها لم تغادر المدينة في عربة تقل الفارين وحدهم وجدت نفسها على متن عربة دفع رباعي كانت تحمل، بحسب تقديرها، أكثر من خمسين جثماناً.
استمرت العربة في طريقها حتى وصلت إلى “مرا جربي”. وهناك شاهدت “ت.ع” ما ظل عالقاً في ذاكرتها منذ رحلة الهروب. كانت حفرة كبيرة موجودة قبل وصول العربة تقول: “عندما وصلنا مرا جربي بدّلوا العربة. كانت هناك حفرة كبيرة جاهزة. دفقوا فيها الجثث ودفنوها. الأشخاص الذين كانوا يقومون بذلك كانوا يرتدون زي الدعم السريع بعد الدفن نُقلت “ت.ع” إلى عربة أخرى وواصلت طريقها باتجاه أدري.
وفي واقعة منفصلة، وثقت الأمم المتحدة دفن 87 شخصاً على الأقل، بينهم نساء وأطفال، في منطقة “التراب الأحمر” قرب الجنينة خلال يونيو/حزيران 2023. ووفق المعلومات المنشورة، دُفن 37 شخصاً في 20 يونيو و50 آخرون في اليوم التالي، في قبر جماعي قُدّر عمقه بنحو متر واحد.
ما يتركه الموت تحت الأرض
لكن إغلاق القبور لم ينهِ أثر تلك القرارات الطارئة تعاقبت مواسم المطر والجفاف، وتحركت المياه فوق السطح وداخله، واختفت بعض العلامات التي وضعها السكان على القبور، بينما عاد الناس إلى أحياء ومنازل كانت مسرحاً للدفن.
وتمنح صور الأقمار الصناعية لهذا الخوف شكلاً يمكن رؤيته ففي مواقع محتملة للدفن الجماعي شمال الطريق الرابط بين الجنينة والحدود التشادية، أظهرت صور تغيراً واضحاً بين مايو/أيار ويوليو/تموز 2023، إذ غمرت المياه أجزاء من المنطقة مع دخول موسم الأمطار.

ويتذكر أحد سكان المنطقة المشهد من الأرض: “كنا نعرف أن هناك جثثاً دُفنت في هذه المنطقة، وبعضها لم يكن عميقاً عندما جاء الخريف امتلأت الحفر والمنخفضات بالمياه، ولم تعد تستطيع أن تعرف أين ينتهي مكان الدفن وأين تبدأ مياه الأمطار. المياه كانت تتحرك من مكان إلى آخر، والناس في ذلك الوقت لم يكونوا يفكرون في التلوث؛ كانوا يحاولون فقط النجاة.
ويقول إن القلق ظهر لاحقاً، عندما استمرت المياه في التجمع حول مواقع عُرف أنها استُخدمت للدفن: “بعد أن هدأ الوضع بدأنا نسأل: هذه المياه مرت فوق أرض دُفن فيها الناس، فأين ذهبت بعد ذلك؟ نحن لا نستطيع أن نقول إنها لوثت الآبار، لكن لم يأت أحد ليفحص الماء أو التربة ويخبرنا ماذا حدث.
منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكدان أن جثث الأشخاص الذين يموتون بسبب الرصاص والقصف والإصابات في النزاعات لا تسبب عادةً الأوبئة. المشكلة البيئية أكثر تحديداً: في ظروف معينة، يمكن أن يصبح موقع الدفن مهماً عندما يتقاطع مع مصادر المياه أو المياه الجوفية أو الجريان السطحي.
بعد الموت تبدأ الأنسجة في التحلل وتنتج سوائل ومركبات عضوية تدخل الوسط المحيط. لكن وجودها في التربة لا يعني أنها وصلت إلى المياه التي يشربها السكان. بين الجثمان ومصدر المياه توجد طبقات من التربة والصخور، ويختلف انتقال المواد باختلاف نفاذية التربة وعمق القبر وعمق المياه الجوفية واتجاه حركتها والانحدار وكمية الأمطار وكثافة الدفن.
و يرفض البروفيسور إسماعيل عبدالله، المتخصص في الهيدرولوجيا وهندسة الموارد المائية، اعتبار وجود قبر جماعي دليلاً تلقائياً على تلوث المياه. ويوضح أن تقييم أي موقع يبدأ من طبيعة الأرض نفسها، وليس من عدد الجثامين وحده.
و يقول: وجود قبر جماعي لا يعني بالضرورة أن المياه المحيطة به ملوثة. لتحديد الخطر نحتاج إلى معرفة نوع التربة ونفاذيتها، وعمق القبر والمياه الجوفية، واتجاه حركتها، وطبيعة الانحدار، وكمية الأمطار والسيول التي تعرض لها الموقع. فالمياه هي التي تحدد مسار انتقال الملوثات المحتملة، وليس القرب الجغرافي وحده”.
ويضيف: “قد يكون هناك بئر قريب من موقع الدفن، لكن حركة المياه الجوفية تتجه بعيداً عنه، بينما قد يوجد مصدر مياه أبعد يقع في اتجاه الجريان. لذلك لا يمكن تحديد الخطر بالمسافة فقط؛ يجب معرفة ما إذا كان هناك مسار يسمح بانتقال نواتج التحلل من موقع الدفن إلى مصدر يستخدمه السكان”.
وبحسب عبدالله، تصبح مواقع الدفن الاضطرارية أكثر حاجة إلى التقييم عندما تكون ضحلة أو تقع في تربة عالية النفاذية أو مناطق تتعرض للسيول، أو عندما تكون المياه الجوفية قريبة من سطح الأرض. ويضيف “لهذا تُختار المقابر في الظروف الطبيعية وفق اعتبارات تتعلق بالتربة والمياه والطبوغرافيا. لكن أثناء الحرب كان الناس يدفنون موتاهم حيث يستطيعون الوصول، وليس بالضرورة في المكان الأنسب بيئياً”.
ولا تعني هذه الظروف، وفق عبدالله، أن تلوثاً حدث بالفعل. “إثبات التلوث يحتاج إلى فحص الموقع وأخذ عينات من المياه والتربة ومقارنتها بمصادر أخرى محتملة للتلوث. لكن عندما يكون لدينا دفن اضطراري، ثم تمر على الموقع مواسم من الأمطار والسيول، فهذه أسباب علمية كافية لفحصه، وليست دليلاً مسبقاً على أنه ملوث».
ويحذر د. مصطفى عثمان، المختص في الصحة البيئية، من تحويل هذه الفجوة إلى ذعر. و يقول “الحرب دمرت شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكمت النفايات وتعددت مصادر التلوث و إذا وجدنا بكتيريا أو نترات في بئر قريب من قبر، نحتاج إلى عينات مقارنة واتجاه حركة المياه».
الخرطوم.. المدينة التي تعود فوق قبورها
ما حدث في الجنينة تكرر بصورة مختلفة في الخرطوم. داخل العاصمة، أدى انهيار الخدمات وخطورة الوصول إلى المقابر إلى ظهور مدافن في المنازل والميادين والمدارس وغيرها من الأماكن التي لم تُنشأ أصلاً لاستقبال الموتى.
اضطر الطبيب أحمد عثمان إلى دفن قريب له عندما أصبح الوصول إلى المقبرة مستحيلاً. يقول: “دفناه هنا لأننا لم نستطع الوصول إلى المقبرة. عندما عدنا بعد الحرب لم أعد أرى الحوش بالطريقة نفسها هذا بيتنا، لكنه أصبح أيضاً قبراً. لاحقاً، استُخرجت الرفات وأعيد دفنها، لكن عثمان يقول إن المكان لم يعد بالنسبة إليه مجرد أرض.

وبحلول أبريل/نيسان 2026، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن أكثر من 20 ألف جثمان استُعيد ودُفن في الخرطوم وحدها. الرقم لا يعني أن جميع هذه الجثامين كانت مجهولة الهوية أو مدفونة في قبور جماعية، لكنه يكشف حجم المهمة التي واجهت مدينة انهارت فيها أجزاء كبيرة من منظومة إدارة الموتى.
وسط ذلك الفراغ ظهرت مبادرات أهلية، بينها “مبادرة مجهولي الهوية” في مستشفى النو بأم درمان. يقول سامي طلعت إن المتطوعين كانوا يستقبلون جثامين لا يعرفون أصحابها، لكنهم كانوا يدركون أن وراء كل جثمان أسرة قد تبحث عنه. لذلك كانوا يصورون الموتى ويحفظون متعلقاتهم ويوثقون ما يستطيعون قبل الدفن. “الهاتف في ذلك الوقت أصبح بديلاً عن مؤسسات كاملة توقفت بسبب الحرب”.
قالت المبادرة إنها دفنت خلال ثلاثين شهراً 8,870 جثماناً مجهول الهوية، معظمها في أم درمان، وإن أسرًا تمكنت من التعرف إلى 263 جثماناً. ولا تكمن أهمية تجربة المبادرة في العدد وحده، وإنما في الأرشيف الذي صنعته، صورة للجثمان، متعلقاته، المكان الذي عُثر عليه فيه، ومكان دفنه، وكل معلومة يمكن أن تربط شخصاً مجهولاً اليوم بأسرة تبحث عنه غداً.
يقول طلعت: “دفنّا الآلاف، لكن بالنسبة لنا لم يكونوا أرقاماً. كل صورة كانت احتمالاً لأن تأتي أسرة بعد شهر أو سنة وتقول: هذا ابننا». ويرى أن ضياع الرقم أو الموقع أو الصورة يجعل العثور على الشخص لاحقاً أكثر صعوبة.
حين اختفت علامات القبور
شارك سالم إبراهيم في استخراج رفات بعد عودة السكان إلى بعض المناطق، ويقول إن العلامات التي وضعت فوق القبور أثناء الحرب لم تبق كلها. مر المطر، تغير شكل الأرض، وعاد البناء إلى بعض الأماكن. وفي حالات، كان العثور على القبر مرة أخرى يعتمد على شخص يتذكر موضع الحفرة.
وهنا يصبح القبر أكثر من مسألة بيئية. بالنسبة إلى د. آدم الماحي، الخبير السابق في الطب الشرعي والمقابر الجماعية، يمثل القبر أيضاً مسرحاً يمكن أن يحتفظ بمعلومات عن هوية الضحايا وكيف ماتوا. موضع الجثمان وملابسه ومتعلقاته وإصاباته وعلاقته بالجثامين الأخرى قد تكون جميعها جزءاً من الدليل.
يحذر الماحي من أن دخول الجرافات قبل فرق الطب الشرعي قد يسمح لاحقاً بجمع العظام، لكنه قد يدمر السياق الذي كانت توجد فيه، وهي معلومات قد لا يمكن استعادتها. ويختصر العلاقة بين الكرامة والدليل بقوله: “إعادة الدفن بطريقة كريمة مهمة، لكن الكرامة لا تعني أن نمحو الدليل”.
وتصبح المسألة أكثر إلحاحاً عند وضعها إلى جانب ملف المفقودين. حتى أواخر مارس/آذار 2026، كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السوداني تتعاملان مع أكثر من 11 ألف حالة مفقود مرتبطة بالسودان، بينها حالات تعود إلى ما قبل الحرب الحالية. لا يجوز مساواة هؤلاء بأكثر من 20 ألف جثمان استُعيد ودُفن في الخرطوم؛ فليس كل مفقود متوفى، وليس كل جثمان مجهول الهوية. لكن الرقمين يكشفان حجم الفجوة بين الموت الذي جرى التعامل معه والأسر التي لا تزال تبحث.
في الكلاكلة، تتحول أخبار استخراج الجثامين بالنسبة إلى سامية إبراهيم إلى احتمال شخصي. تقول: “كلما سمعت عن استخراج جثامين من قبر جماعي أفكر أن ابني قد يكون بينهم. بالنسبة للناس هذه أرقام؛ مئة جثمان، ألف جثمان، عشرة آلاف. بالنسبة لي كل رقم يمكن أن يكون الشخص الذي أنتظره”. بالنسبة إليها، معرفة الوفاة نفسها أقل قسوة من استمرار الغموض: “أريد أن اعرف قبره .
حين يعود البناء إلى أرض الموتى
في الوقت نفسه، بدأت الخرطوم تتحرك في اتجاه آخر: عودة السكان وإزالة آثار الحرب وإعادة البناء. ويرى سليمان إبراهيم، مهندس التخطيط العمراني في الخرطوم، أن مواقع الدفن لا يمكن أن تبقى ملفاً منفصلاً لدى الطب العدلي، لأن المعلومات عنها يجب أن تصل أيضاً إلى الجهات التي تخطط للطرق والمياه والمدارس والمباني.

يقول إبراهيم: “إذا لم تكن لدينا خريطة واحدة للمواقع، يمكن أن تبدأ أعمال في أرض لا يعرف المقاول ولا المهندس أن رفاتاً دُفنت فيها أثناء الحرب”.
وتظهر شهادات جمعها التقرير أن بعض العلامات التي كانت تحدد مواقع الدفن اختفت مع مرور الوقت والأمطار وعودة السكان. وقال متطوعون شاركوا في الدفن واستخراج الرفات إن الوصول إلى بعض القبور لاحقاً اعتمد على ذاكرة أشخاص كانوا حاضرين لحظة الدفن، بعد تغير معالم المكان أو اختفاء العلامات التي وضعت فوقه.
ما دفنته الحرب لم يختفِ
في الفاشر، لا تحتاج صالحة إبراهيم إلى خرائط أو أرقام لكي تعرف معنى فقدان المكان. زوجها لا يزال مفقوداً. تقول: “أنا لا أبحث عن رقم بين أرقام الموتى. أبحث عن شخص له اسم ووجه وبيت. إذا كان حياً أريد أن أعرف أين هو، وإذا كان مات أريد أن أعرف أين دُفن. الحرب أخذته مني مرة، ولا أريد أن يأخذه النسيان مرة ثانية.
و أظهرت صور التقطت عبر الأقمار الصناعية مؤشرات على “مقابر جماعية” و”أنشطة تخلّص من الجثث” في مدينة الفاشر، بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، بحسب مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد قضية الموتى مرتبطة بلحظة الدفن وحدها. بعض القبور تغيرت معالمها، وبعض الرفات استُخرجت وأعيد دفنها، فيما لا تزال أسر تبحث عن مفقوديها، ومدن تعود تدريجياً إلى الحياة فوق أرض تغيرت وظيفتها خلال سنوات القتال.
طارق بحر الدين كان واحداً ممن انتهى بهم الطريق إلى تلك الأرض انتظرت أسرته أسبوعين حتى تستطيع الوصول إلى جثمانه، ثم دفنته مع آخرين في قبر جماعي.
أُغلق القبر فوق طارق، لكن آثار الحرب لم تُغلق معه. فما دُفن على عجل تحت أرض السودان، ما يزال جزءاً من بيئتها وذاكرتها ودليلها.
“هذا المشروع أنتج في إطار النسخة الثانية من دبلوم صحافة المناخ، الذي تنظمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقق العربي.”








