متابعات دارفور : محمد عثمان
إن السرد الاستراتيجي هو بإيجاز كيف تعبر الدولة عن نفسها؛ تاريخها، طموحها، موضعها في العالم، في الاقتصاد، والسياسة، ومسارات التنمية؟ وكيف ترى إنسانها؟ وكيف تقدم نفسها لمحيطها الإقليمي وللعالم؟ وبذالك فان هناك ثلاثة محددات أساسية حسب تقديري لاكتمال سردية الدولة.
أولها: أن السرد ليس محصورا بتواصل الدولة أو الحكومة، بل هو أبعد من ذلك إلى مرحلة تمكين تصور عام عالمي حول الدولة (تموضعا، وطموحا، وإنسانا). ثانيها: أن الاشتغال على صياغة السرد الاستراتيجي ليست مسؤولية الجهاز الاتصالي في الدولة أو الحكومة، بل في مرحلة ما نستطيع اكتشاف سردية الدولة في الخطاب الشعبي، فيما يقوله أفرادها والقاطنون بها، وما تقوله مؤسساتها المدنية والأهلية وقطاعها الخاص.
ثالثها: أنه بقدر قوة السردية الاستراتيجية وتناغمها تستطيع الدولة اليوم تطوير منظومة القوة الناعمة والتأثير العالمي، وبدون تلك السردية الاستراتيجية يبقى جهد المؤسسات والاستراتيجيات والمبادرات التي تصب في هذا الاتجاه جهدا مشتتا يصعب توجيهه وتبين أثره.
ليست السردية مجرّد سرد أو تفسير، بل منظومة قادرة على صناعة الواقع وتوجيه القرارات وتشكيل الإدراك الجماعي. من خلالها تُمنح الشرعية، وتُصاغ الأخلاقيات، ويُحدّد من هو الضحية ومن هو الجلاد. السردية هي ما يحدّد من “يستحق الدفاع” ومن “يستحق العقاب”، ومن “يُرى في الإعلام” ومن “يُنسى في العتمة”.
فعلي سبيل المثال لا الحصر كالتدخلات العسكرية المتعددة التي خاضتها الولايات المتحدة كقوة عالميه ، جعلتنا ندرك أن لكل حرب سرديتها المختلفة. فإذا تتبعنا التأريخ العسكري لحروب للولايات المتحدة سنلاحظ أنها عندما تعتزم شن حرب على دولة ما، فإنها تمهد لهذه الحرب بوقت طويل، من خلال صناعة سردية تسوق عبر وسائل الإعلام، تبرر التدخل العسكري لتأمين الحصول على دعم الرأي العام الأمريكي والدولي.
وعادة ما تركز هذه السرديات على الهوية الوطنية الأمريكية والامن القومي وامن المواطن الامريكي والاستقامة الأخلاقية، والحاجة إلى مقاومة أيديولوجيا معينة، أو نظام سياسي أصبح بين ليلة وضحاها خصما وعدوا، بعدما كان في الماضي القريب حليفا مقربا.
فالسردية الأمريكية تقدم الصراع الذي تخوضه ضد دولة ما في العالم على أنه صراع لا مفر منه، ضد ما تدعي أنه الشر أو الطغيان، الذي يهدد وجودها وأنه صراع من أجل حماية بقاء أمريكا، ولحماية الحرية في العالم أجمع. ومن جانب آخر فإن السردية الأمريكية لخوض أي نزاع، أو تدخل عسكري تعتمد علي تبرير الحرب أخلاقيا، وتؤطرها لتتخذ شكل حرب من أجل الدفاع عن الانسانيه والديمقراطيه او حتي الحق واستعادته ، ومن أجل إنقاذ الآخرين من المعاملة اللاإنسانية، أو من أجل نشر ديمقراطية ، أو لتطبيق حقوق الإنسان، حسب التعريف الأمريكي.
ولذلك فإن هذه السردية تحرص على خلق معسكرين: معسكر الأبطال ومعسكر الأعداء، والهدف هو خلق انقسام حاد في العالم بين نحن الأمريكيين الأبطال، وهم الأشرار في المعسكر المقابل، الذي قد يكون معسكر السودان ، أو الصين، أو فنزويلا أو أفغانستان او ايران ولتحقيق ذلك يستخدم الإعلام الأمريكي الصور الكاريكاتيرية الساخرة، أو ينشر فظائع من يعتبرهم الأعداء، حتى لو كانت هذه الفظائع (المختلقة أحيانا) من صنف الفظائع التي تمارسها أمريكا نفسها، وبعدها يبدأ الإعلام الأمريكي بتضخيمها لتأجيج مشاعر الرأي العام الأمريكي والعالمي، وإثارة سخط ومقت الجماهير.
ويكون الهدف الرئيسي من المبالغة في تقديم السردية المختلقة هو، إقناع الجمهور الأمريكي والعالمي بأن التدخل العسكري هو الخيار الوحيد المتوفر، وأنه سيقود إلى سلام عادل للنزاع وإلى مستقبل أكثر إشراقا مثلما تفعل اطراف حرب السودان الحاليه فكل طرف يعمل علي خلق سرديه تشرعن حربه ضد الطرف الاخر لكسب مزيدا من التعاطف المحلي والإقليمي والدولي واثبات صِحة سرديته
فعلي سبيل المثال لا الحصر تصنيف جماعة الاخوان المسلمين في العالم وبالاخص في تونس هو بدايه لشرعنة سرديه الحرب الأمريكية التي قادتها ضد ايران ولتقليم اظافر النظام الايراني كان لابد من خلق سرديه الحرب ضد الجماعات المتطرفه في العالم والذي تبعه مؤخرا في خطة الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربه الارهاب في العام 2026 بتصنيف ذات الجماعه اي جماعه الاخوان المسلمين في مصر والسودان واستخدام حرب السودان كرافعه او عنصر من عناصر السرديه الامريكيه في حربها ضد ايران واستغلال الازمه السودانيه وتعاطف العالم معها كاحد اهم عناصر السرديه الامريكيه في حربها ضد الارهاب
هذا ليس تحليلا وانما ربط لعمليات صناعة السرديه في الحروب حتي تخرج بشكلها الاخلاقي المقبول في العالم
ففي مثل هذه الحروب، لا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث؟ بل: من يروي ما حدث؟ وكيف؟ ولمصلحة من؟ هنا تظهر أزمة الإعلام السياسي المعاصر؛ إذ تتراجع الأولوية للحقيقة الخام أمام أولوية “إدارة الإدراك”. فوسيلة الإعلام المنحازة لمحور ما في العالم الان تميل إلى توصيف الحرب باعتبارها عملية ردع أو إعادة توازن أو تحجيمًا لخطر إقليمي، بينما تذهب المنصات المؤيدة لصانع السرديه أو المناهضة لها إلى تصويرها باعتبارها عدوانًا استعماريًا مكتمل الأركان يستهدف الدوله او المنطقة بأسرها، مثل سرديه عرب الشتات والاجانب ومرتزقه تشاد وافريقيا للوسطي والكمرون والنيجر التي اطلقها الجيش السوداني لخلق سرديه تستعطف المجتمع المحلي والإقليمي والدولي باستشعار الخطر والوقوف في صف الجيش السوداني كمدافع عن الارض والسياده الوطنية.
وفي المنتصف، تبرز منصات أخرى تمارس انتقائية من نوع مختلف: لا تكذب الخبر صراحة، لكنها تعيد ترتيب الأولويات، فتحذف سياقات، وتضخم عناصر بعينها، وتدفع المتلقي إلى استنتاج سياسي مقصود دون أن تقول ذلك مباشرة. لهذا لم يعد الزيف الإعلامي في صورته الحالية قائمًا فقط على “الخبر الكاذب”، بل على “الحقيقة المجتزأة”، و”الصورة المنزوعة من سياقها”، و”التحليل الذي يرتدي ثوب الخبر لخلق سرديه تشرعن الحروب
ومن هنا نفهم كيف يتحول الإعلام في زمن الحرب من ناقل للأزمة إلى صانع لها. فكل خطاب إعلامي ينشئ “عدوّه” الخاص، ويختار جمهوره الخاص، ويصنع قاموسه الخاص. كلمة واحدة قد تفضح التموضع، “هجوم” لدى طرف، و”رد دفاعي” لدى آخر، و”تصعيد متبادل” لدى ثالث. وكذلك الأمر مع صور الضحايا، ومشاهد الدمار، وتوقيتات البث، ونبرة المذيعين، وانتقاء الضيوف.
ففي الإعلام السياسي، ليست اللغة مجرد وعاء محايد، بل أداة توجيه خفي، قادرة على منح الشرعية أو نزعها، وعلى تحويل الضحية إلى متهم، أو المتورط إلى وسيط، أو المحايد إلى شريك مفترض. مثلما ما يحدث في حرب السودان خصوصا في حرب السرديات الذي يقوم به ضيوف القنوات التلفزيونية مثل الجزيره او الحدث او حتي الفضائيات الوطنيه والمواقع الالكترونيه الصحفيه ومؤتمرات منظمات المجتمع المدني
إن المعركة الحقيقية هنا ليست فقط بين صواريخ متبادلة، بل بين روايات متصارعة تحاول كل واحدة منها احتكار تعريف الواقع.
لهذا يصبح واجب الإعلام المسؤول هو مقاومة الإغراء الدعائي، ورفض الانجرار إلى ثنائية “معي أو ضدي”، والتمييز الصارم بين الوقائع والتفسيرات، وبين الموقف السياسي والواجب المهني. فليست كل رواية بديلة حقيقة، وليست كل رواية رسمية كذبًا، لكن الخطر يبدأ حين تفقد وسائل الإعلام شجاعتها في قول: “لا نعلم بعد”، أو “هذه المعلومة غير مؤكدة”، أو “هذا رأي لا خبر. وهذا ما فشلت فيه كثير من المنصات الصحفيه والاعلاميه وحتي القنوات التلفزيونية الكبري بخلق سرديه تهتم بمصحة المدنين غير المتورطيت في الحرب بعيدا عن صناعة السرديه وفقا لمصلحه سياسية.
خلاصه :
حين يتوسط المدنيون القوات العسكرية، فإنهم يتحولون إلى فاعلين في صناعة سرديات الحرب، بطريقه مباشرة او عكسها، هذه السرديات قد تكون أداة مقاومة، أو وسيلة لفرض الهيمنة، لكنها دائمًا تكشف أن الحرب ليست مجرد معركة سلاح، بل معركة رواية قوية يتفاعل معها العالم ويناصرها ووعي مخطط له متي تبدأ الحرب وما يجب ان يحدث لتحقيق الهدف منها واعلان انتصار القصه الاكثر انتشارا وتأثيرا في صناع السياسات في العالم.








