“لا شرعية لحوار تحكمه البنادق” مذكرة نسوية تضع الاتحاد الأفريقي أمام إختبار مبادئه

كمبالا : متابعات دارفور

طالبت شبكة النساء السودانيات الاتحاد الأفريقي بسحب ترحيبه بالمبادرة الخاصة بعقد ما سُمي بـ«الحوار السوداني–السوداني» المرتبط بقائد الجيش، محذرة من أن تتحول العملية السياسية إلى أداة لإنتاج شرعية جديدة لسلطات الأمر الواقع، وإعادة تمكين عناصر وبُنى النظام السابق، وتكريس الانقسام الذي فرضته الحرب على السودان.

وقالت الشبكة، في مذكرة مفتوحة وجهتها إلى دول الآلية الخماسية ودول الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، إن ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة يضع المؤسسة القارية أمام «اختبار حقيقي للاتساق مع مبادئها»، خاصة بعد موقفها من انقلاب 25 أكتوبر 2021 وتعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة النظام الدستوري.

وطرحت المذكرة سؤالاً مباشراً حول كيفية تعامل المؤسسة التي رفضت الانقلاب العسكري مع قيادة الانقلاب نفسها باعتبارها الجهة التي تطلق وتحدد إطار عملية يفترض أن تعيد بناء الشرعية السياسية والدستورية في السودان.

وأكدت الشبكة أنها لا ترفض الحوار من حيث المبدأ، بل ترى أن إنهاء الحرب بصورة مستدامة يتطلب عملية سياسية سودانية واسعة ومستقلة تعالج جذور الأزمة وتعيد بناء الدولة على أساس الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية والحكم المدني الديمقراطي.

لكنها حذرت من استخدام اسم «الحوار» لمنح الشرعية لعملية يتحكم فيها أحد أطراف الحرب، وقالت إن «الشرعية لا تُستمد من مكان انعقاد الحوار ولا من الشعارات المعلنة»، وإنما من استقلال العملية وحرية المشاركين واتساع التمثيل وتوازن شروط المشاركة واستقلال الجهة الميسرة.

واعتبرت الشبكة أن قائد الجيش، بوصفه طرفاً رئيسياً في الحرب والأزمة السياسية التي سبقتها، لا يمكن التعامل مع عملية تنطلق تحت سلطته كما لو أنها مبادرة صادرة عن جهة محايدة، محذرة من تحويل السيطرة العسكرية والإدارية على أجزاء من البلاد إلى سلطة تحدد من يشارك في العملية السياسية ومن يُستبعد منها، وأجندتها ومكان انعقادها وآليات اتخاذ القرار داخلها.

وذهبت المذكرة إلى أبعد من ذلك، محذرة من أن العملية قد تؤدي إلى تقديم قائد الجيش باعتباره سلطة شرعية للدولة في ظل الحرب والانقسام، بما يهدد، وفق تقدير الشبكة، بتحويل خطوط السيطرة العسكرية الحالية إلى خطوط سياسية دائمة وتكريس انقسام البلاد بدلاً من إعادة توحيدها.

وأثارت الشبكة تساؤلات بشأن استقلالية اللجنة المشرفة على الحوار، وقالت إن وصفها بـ«المستقلة» لا يكفي لإثبات استقلاليتها، مطالبة مفوضية الاتحاد الأفريقي بالكشف عن معايير اختيار أعضائها، والجهة التي اختارتهم، ومصدر تفويضهم، وعلاقاتهم بالأطراف المختلفة، والأسس الموضوعية التي استندت إليها المفوضية في وصف اللجنة بأنها مستقلة.

كما رفضت الشبكة ما وصفته بـ«التمثيل المدني الزائف»، وحذرت بصورة خاصة من صناعة تمثيل صوري للنساء والشباب عبر شخصيات أو كيانات لا تستند إلى قواعد اجتماعية مستقلة.

وقالت المذكرة إن وجود نساء حول طاولة الحوار لا يجعل العملية ممثلة للنساء، مشددة على أن السؤال الحقيقي يتعلق بمن اختار الممثلات، ومن يمثلن، ولمن يخضعن للمساءلة، وما إذا كانت الحركات النسوية والنساء في المناطق المختلفة يمتلكن حق اختيار ممثلاتهن بصورة مستقلة.

لا حوار حقيقي تحت سيطرة البنادق

وشددت الشبكة على أن انعقاد الحوار داخل السودان لا يمنحه تلقائياً صفة الوطنية أو الشرعية، وطرحت جملة من الأسئلة بشأن قدرة المشاركين على انتقاد قائد الجيش والسلطات القائمة دون خوف من الاعتقال، وقدرة القوى المناهضة للحرب على التنظيم والوصول إلى الإعلام، ومدى قدرة النساء والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان على التعبير بحرية.

وقالت إن أي حوار «تهيمن عليه البندقية، وتُصادر فيه الحريات، ويُروع فيه المختلفون، ويُحتكر فيه المجال العام» لا يمكن اعتباره حواراً حقيقياً.

وربطت الشبكة موقفها كذلك بتجربة النساء السودانيات خلال حكم الإسلاميين، معتبرة أن عودة قوى وبُنى النظام السابق ليست بالنسبة للنساء خلافاً سياسياً مجرداً، وإنما قضية تمس الحرية الشخصية والكرامة والحق في العمل والتنظيم والمشاركة في الحياة العامة.

واستحضرت المذكرة تجربة قوانين النظام العام والمادة 152 من القانون الجنائي لسنة 1991 وما ارتبط بها من ملاحقة النساء بسبب الملابس والسلوك والوجود في المجال العام، محذرة من أن تنتهي الحرب الحالية بترتيبات تعيد إنتاج القوى والأجهزة والأفكار التي قاومها السودانيون والسودانيات خلال العقود الماضية.

وفي موقف لافت، قالت الشبكة إن «الحياد بين أطراف الحرب لا يعني الحياد بين الديمقراطية والدكتاتورية»، معتبرة أن ضرورة تواصل الاتحاد الأفريقي مع أطراف النزاع لا ينبغي أن تتحول إلى مساواة بين الشرعية الشعبية وسلطة الأمر الواقع أو إلى منح من يسيطر على مؤسسات الدولة بالسلاح حق تصميم النظام السياسي المقبل.

وأكدت أن الأولوية العاجلة يجب أن تظل وقف الحرب، والهدنة الإنسانية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات دون عوائق، وعودة النازحين واللاجئين بأمان، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، بدلاً من الدخول في مسارات تمنح الشرعية السياسية لأطراف تحمل السلاح.

كما وجهت الشبكة انتقادات إلى مقاربة قيادة مفوضية الاتحاد الأفريقي للملف السوداني، ودعت مجلس السلم والأمن والدول الأعضاء إلى ممارسة «رقابة مؤسسية حقيقية» على تعامل رئاسة المفوضية مع السودان، والتأكد من اتساق مواقفها مع مبادئ الاتحاد وقراراته السابقة ومصالح السودانيين.

وحذرت من أزمة ثقة قد تواجه أي وساطة تبدو منحازة إلى إطار صممه طرف عسكري، معتبرة أن الوساطة لا تستمد شرعيتها من اسم المؤسسة التي ترعاها، وإنما من استقلالها ونزاهتها وتوازنها وقدرتها على جمع الأطراف وكسب ثقة أصحاب المصلحة.

وقدمت الشبكة في ختام مذكرتها 15 مطلباً، في مقدمتها سحب الترحيب بمبادرة حوار قائد الجيش، وعدم اعتبارها إطاراً شرعياً للحوار الوطني، والتأكيد على أن الجيش وقوات الدعم السريع والقوى المسلحة الأخرى أطراف في عملية إنهاء الحرب وليست جهات مخولة بتصميم النظام السياسي للسودان.

وطالبت كذلك بضمان مشاركة مستقلة وذات معنى للنساء والشباب، وربط العملية السياسية بالمساءلة وعدم الإفلات من العقاب، ومنع إعادة إنتاج النظام السابق، والتأكيد على أن المآل النهائي لأي عملية سياسية يجب أن يكون حكماً مدنياً ديمقراطياً كاملاً ومؤسسة عسكرية وطنية مهنية واحدة خاضعة للسلطة المدنية.

واختتمت الشبكة موقفها بتحذير من «الاستقرار الزائف» الذي قد تنتجه الحوارات والانتخابات التي تجري في بيئة تسيطر عليها القوة العسكرية، مؤكدة أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها بإعادة إنتاج النموذج الذي ساهم في صناعتها.

تبحث عن الحقيقة؟

إشترك في مجلتنا الإخبارية ليصلك كل جديد