نيالا – متابعات دارفور | تقرير خاص
حين يخرج معتقل من سجن دقريس في نيالا، لا يعني ذلك دائماً أن قصته انتهت. بعض الذين نجوا خرجوا بأجساد أنهكها الجوع والمرض والتعذيب، وبعضهم حمل إلى الخارج أخبار رجال ماتوا، بينما ظلت أسرهم تنتظر عودتهم ، دون أن تعرف بموتهم أو أين انتهت جثامينهم.
وفي حالات أخرى وثقتها “متابعات دارفور” ، وفق شهادة حديثة لأحد الناجين، قد يظل قريب للمفرج عنه داخل نيالا “ضامناً” لصمته، معرضاً للاعتقال إذا تحدث الناجي إلى وسائل الإعلام.
هكذا بدأت الإفراجات الأخيرة في كشف ما يجري خلف أسوار واحد من أكثر مراكز الاحتجاز غموضاً في دارفور.
أطلقت قوات الدعم السريع خلال الأسبوعين الماضيين سراح أكثر من 70 معتقلاً من سجن دقريس ومعتقلات أخرى بمدينة نيالا، بينهم مدنيون وقيادات في الإدارة الأهلية وعسكريون من قوات الدعم السريع.
وقالت مصادر متطابقة من الدعم السريع إن لجنة عليا تضم ممثلين عن القضاء والنيابة والقانونيين والشرطة والاستخبارات بدأت مراجعة ملفات المحتجزين، بمعدل نحو عشر حالات يومياً، للتحري في أسباب الاعتقال واتخاذ قرار بشأن كل حالة لكن الإفراجات، بدلاً من أن تغلق ملف دقريس، فتحت سؤالاً أكثر خطورة:
إذا كان عشرات الأشخاص يُطلق سراحهم الآن بعد مراجعة ملفاتهم، فكم شخصاً ظل شهوراً أو سنوات خلف القضبان من دون محاكمة؟ وكم واحداً منهم مات قبل أن يصل ملفه إلى لجنة المراجعة؟
200 شخص في مخزن واحد
قبل يومين فقط، ظهرت واحدة من أقسى الشهادات المعروفة من داخل دقريس ، ناجٍ استخدم اسم “عمر” تحدث بعد 18 يوماً من الإفراج عنه كان قد أمضى أكثر من عام في دقريس بعد اعتقاله ضمن آلاف المدنيين من الفاشر.
ظهر الرجل، وفق الصحفي الذي قابله، شديد الهزال، وكان يضطر إلى التوقف أثناء الحديث لالتقاط أنفاسه، بينما لا يزال جسده يتعافى من آثار الجوع والتعذيب.
رفض أن تظهر صورته لم يكن يخشى على نفسه وحده؛ قال إن شخصاً من أقاربه لا يزال في نيالا باعتباره ضامناً لخروجه، وإن ظهوره في الإعلام قد يقود إلى اعتقال ذلك القريب.
داخل المعتقل، تحدث الناجي عن وجود نحو 200 شخص داخل مخزن واحد، في بيئة يختلط فيها المرض بالجوع والاكتظاظ. هناك، بحسب شهادته، لم يعد الموت حادثاً استثنائياً؛ أصبح جزءاً من الحياة اليومية داخل السجن.
أسر تنتظر رجالاً ماتوا منذ أشهر
في رهيد البردي، انتظرت ثلاث أسر أبناءها لأشهر وهي لا تعرف أنهم ماتوا.
عمر أحمد الشيخ، ومختار حبيب الحجازي، وأحمد إسماعيل محمد اعتُقلوا ضمن أكثر من عشرين شخصاً في يونيو 2025، على خلفية اتهامات بالتعاون مع الجيش. ظل مصير الرجال الثلاثة مجهولاً لم تتلق أسرهم إخطاراً رسمياً بوفاتهم، ولم يصلهم اتصال من إدارة السجن، ولم تُسلَّم إليهم تقارير طبية أو معلومات عن أسباب الوفاة.
و بعد أكثر من عام من الاعتقال، خرج سجناء آخرون من دقريس وحملوا الخبر معهم: الرجال الثلاثة ماتوا داخل السجن قبل نحو ثلاثة أشهر. كانت تلك هي الطريقة التي عرفت بها أسرهم أن الانتظار انتهى ليس بعودة أبنائهم، وإنما بشهادة أشخاص كانوا معهم خلف الأسوار.
خبر الموت يحمله الناجون
المشهد نفسه تكرر في بلدة برام حين اعتقلت قوات الدعم السريع إدريس محمد صالح، مدير ديوان شؤون الخدمة بمحلية برام، في فبراير، خلال حملة اعتقالات واتهمته بالولاء للجيش، قبل نقله إلى دقريس.
انتظرت أسرته خبراً عنه، ثم خرج معتقلون من السجن وقالوا لها إن إدريس مات في منتصف يونيو. لم تبلغها الجهة التي اعتقلته بوفاته، ولم تعرف الأسرة، وفق إفادتها، ماذا حدث لجثمانه أو الإجراءات التي اتخذت لدفنه.
كما علمت أسرة أحمد إسماعيل حسين بوفاته بالطريقة نفسها. تحول المفرج عنهم بذلك إلى ما يشبه رسائل بشرية تحمل أخبار الموت من داخل مكان لا تستطيع الأسر دخوله بسهولة.
215 وفاة في أقل من شهرين
لكن حالات إدريس وعمر ومختار وأحمد ليست سوى أسماء قليلة في رقم أكبر بكثير.
وثقت لجنة العدالة وفاة أكثر من 215 معتقلاً داخل دقريس خلال مايو ويونيو 2026 وحدهما، أي أكثر من ثلاثة أشخاص يومياً في المتوسط خلال تلك الفترة إذا وُزعت الوفيات على الشهرين.
وتربط التقارير الحقوقية الوفيات بتفشي الأمراض، والحرمان من الرعاية الصحية، وظروف الاحتجاز التي تفتقر إلى أبسط المقومات الإنسانية كما تحدثت تقارير دوليه عن 31 معتقلاً، بينهم أطفال، نُقلوا إلى مستشفى نيالا وظل مصيرهم مجهولاً وقت صدور تقريرها.
وقال محتجز سابق، رمزت إليه “متابعات دارفور” بـ(ع.ص) لحماية هويته، إن عدداً من المعتقلين، خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة، توفوا نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية وعدم توفر العلاج. وأضاف أن غياب الدواء بالنسبة لمصاب بالسكري أو الضغط قد يحول المرض داخل المعتقل إلى خطر يهدد حياته.
السجن الذي أصبح مركزاً لتجميع المعتقلين
يقع دقريس على بعد نحو 25 كيلومتراً غرب نيالا. أُنشئ المكان أصلاً كمؤسسة إصلاحية، لكن بعد سيطرة قوات الدعم السريع على جنوب دارفور تحول، بحسب تقارير حقوقية وإعلامية، إلى أحد أكبر مراكز تجميع المحتجزين القادمين من مناطق متعددة.
لم يعد نزلاؤه من جنوب دارفور وحدها؛ شهادات وتقارير تحدثت عن معتقلين من دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة وسنار، بينهم مدنيون وعسكريون وموظفون وأصحاب مهن مختلفة.
ولا توجد إحصائية مستقلة يمكن التحقق منها لعدد المحتجزين الحاليين، وتتفاوت الأرقام المنشورة تفاوتاً كبيراً، وهو بحد ذاته يكشف حجم التعتيم المحيط بالمكان. فبينما تتحدث إفادات معتقلين سابقين عن آلاف الأشخاص، قالت الحكومة السودانية في مذكرة قدمتها إلى مجلس الأمن إن لديها معلومات عن نحو 19,800 محتجز وأسير في دقريس، بينهم نحو خمسة آلاف مدني من الفاشر و5,434 مدنياً من مهن مختلفة و73 من الكوادر الطبية و690 امرأة، إلى جانب عسكريين وأفراد شرطة واستخبارات.
لم يتثنى لـ”متابعات دارفور” التحقق بصورة مستقلة من هذه الأرقام ،لعدم تعاون قوات الدعم السريع لكن المؤكد من تقاطع المصادر أن دقريس لم يعد سجناً محلياً عادياً؛ لقد أصبح نقطة مركزية تصل إليها أجساد معتقلين من مساحات واسعة من الحرب السودانية.
المال مقابل الحرية
وثقت جهات حقوقية منذ أشهر وجهاً آخر للقضية دفع المال مقابل الخروج من السجن وقالت “لجنة العدالة” ومحامو الطوارئ إنهما رصدتا حالات طلبت فيها أموال من أسر محتجزين مقابل إطلاق سراحهم، ووصفتا الممارسة بأنها ابتزاز مالي. كما وثقت “متابعات دارفور ” ان غالبيه الحالات المفرج عنها مؤخراً دفعت مبالغ طائله من اجل تنفس عبق الحريه
لكن شهادة “عمر” الأخيرة تذهب أبعد من ذلك ، قال إن عمليات إخراج بعض المعتقلين مقابل المال تصاعدت خلال الشهرين الأخيرين، وإن المبالغ التي طُلبت تراوحت، بحسب حالته ومعرفته بالحالات الأخرى، بين 30 و35 مليون جنيه سوداني.
وبحسب روايته، لا تنتهي العملية بدفع المال؛ إذ قال إن بعض الخارجين يُشترط وصولهم إلى جنوب السودان عبر الضعين، بينما يبقى شخص داخل نيالا ضامناً لصمت المفرج عنه. إذا تحدث، يمكن أن يدفع شخص آخر الثمن.
النساء خلف الأسوار
لا يقتصر الغموض المحيط بمراكز الاحتجاز التابعة للدعم السريع على الرجال. تقارير سابقة تحدثت عن نساء محتجزات في نيالا، بينما أشارت معلومات حديثة من مجموعة «نساء من أجل السلام والأمن» إلى نساء اعتُقلن في مناطق مختلفة من دارفور ونُقل بعضهن إلى دقريس، إضافة إلى نساء قالت المجموعة إنهن محتجزات داخل منازل في نيالا.
وفي وقت سابق، وثقت تقارير الإفراج عن إسلام أحمد أبكر بعد نحو خمسين يوماً من الاحتجاز، وكانت في مرحلة متقدمة من الحمل، إلى جانب نساء أخريات من سجن كوريا في نيالا. وتحدثت معتقلات سابقات عن وجود نساء وأطفال في ظروف قاسية ونقص في المياه والغذاء.
في المقابل، سبق لقوات الدعم السريع أن نفت وجود نساء معتقلات لديها ورفضت الاتهامات المتعلقة بهذا الملف.
مرضى بلا دواء.. وأسر بلا زيارة
رصدت لجنة العدالة في يوليو استمرار احتجاز أشخاص في نيالا لأشهر دون إجراءات قانونية أو إحالتهم إلى المحاكمة، إلى جانب تدهور صحة بعض المحتجزين وحرمان آخرين من العلاج ومنع أسرهم من زيارتهم.
وتتقاطع هذه المعلومات مع شهادات أسر من برام ورهيد البردي قالت إنها واجهت صعوبات في معرفة أوضاع ذويها، فضلاً عن زيارة المعتقل.
أين جثامين موتى دقريس؟
بين عشرات الشهادات عن الجوع والمرض والتعذيب داخل سجن دقريس، يبرز سؤال ربما يكون أكثر قسوة من الموت نفسه: ماذا يحدث لجثمان المعتقل بعد وفاته؟
تتبعت “متابعات دارفور” عدداً من حالات الوفاة المعلنة داخل السجن، ووجدت أن أسر بعض الضحايا لم تتلق إخطاراً رسمياً، بينما لم تحصل أسر أخرى على معلومات واضحة عن مكان دفن ذويها.
في حالة مساعد الشرطة المتقاعد حمادي زكريا، لم تكتفِ الأسرة بانتظار الخبر؛ فبعد إبلاغها بوفاته، توجه أفراد منها إلى السجن لاستلام جثمانه. لكن، وفق شهادة أحد أقاربه، مُنعوا من دخول المعتقل ورفضت القوات تسليمهم الجثمان.
أما أسرة محمدين محمد عبد الرحيم عبد الشافع، الذي كان يعاني من السكري قبل وفاته داخل دقريس، فأُبلغت بموته من دون تفاصيل عن التاريخ أو السبب. وبعد توثيق قضيته حقوقياً، ظل جثمانه، بحسب آخر المعلومات المنشورة، دون تسليم إلى أسرته.
وفي برام، لم تعرف أسرة أحمد إسماعيل حسين ماذا حدث لجثمانه أصلاً؛ لم يصلها إخطار رسمي بشأن الوفاة ولا معلومات عن الإجراءات التي اتُّخذت لدفنه.
أما أسر إدريس محمد صالح، وعمر أحمد الشيخ، ومختار حبيب الحجازي، وأحمد إسماعيل محمد، فقد جاءت أخبار الموت من أشخاص نجوا وخرجوا من السجن، بعد أن كان بعض الضحايا قد ماتوا قبل شهور.
ويكشف تكرار هذا النمط عن فجوة أخطر من غياب الرعاية الطبية غياب سلسلة معلنة وشفافة لتوثيق الموت نفسه. و لا توجد قائمة منشورة بأسماء جميع المتوفين، ولا سجل متاح يوضح تاريخ كل وفاة وسببها، ولا معلومات معلنة عن الطبيب الذي أثبت الوفاة، أو ما إذا خضعت الجثامين لفحص طبي، أو أين دُفنت، أو من أذن بالدفن، أو ما إذا أُبلغت الأسر قبل مواراة أبنائها الثرى.
ويرى الحقوقي «م.ص» أن توثيق أكثر من 215 وفاة خلال شهرين، في ظل غياب معلومات مكتملة عن المتوفين، يثير مخاوف من وجود حالات لم تصل أخبارها بعد إلى الخارج، بما في ذلك احتمال استمرار أسر في البحث عن ذويها باعتبارهم معتقلين، دون أن تكون لديها معلومات محدثة عن مصيرهم أو أماكن وجودهم.
الإفراجات لا تمحو ما حدث
تقول قوات الدعم السريع إن اللجنة الجديدة تفحص الملفات وتقرر الإفراج عمن لا تثبت بحقه تهمة.
ويرى قانونيون وحقوقيون أن تشكيل لجنة لمراجعة ملفات المعتقلين لا يغلق ملف دقريس، بل يفتح ملفاً آخر يتعلق بما سبق تشكيلها: أوامر الاعتقال، ومدد الاحتجاز الطويلة، وغياب المحاكمات والتمثيل القانوني، فضلاً عن المسؤولية عن أوضاع المحتجزين الذين مرضوا أو ماتوا داخل السجن.
ويقول مصدر حقوقي فضل حجب إسمه لـ”متابعات دارفور” إن الإفراج عن أشخاص بعد شهور من الاحتجاز يضع الجهة المحتجزة أمام مسؤولية توضيح الأساس القانوني الذي حُرم بموجبه هؤلاء من حريتهم طوال تلك الفترة، والإجراءات القضائية التي اتُّخذت بحقهم، إلى جانب تقديم سجل واضح للمحتجزين الذين توفوا أثناء الاعتقال.
ويضيف المصدر أن خطورة ملف دقريس لا تتوقف عند عدد الوفيات، وإنما تمتد إلى غياب المعلومات الأساسية المتعلقة بالموتى، بما يشمل السجلات الطبية وأسباب وتواريخ الوفاة وإخطار الأسر ومصير الجثامين وأماكن الدفن.
ويشدد المصدر على أن مراجعة ملفات الموجودين على قيد الحياة، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل تحقيق مستقل يشمل كامل منظومة الاحتجاز وما جرى داخلها، ويحصر الأحياء والمرضى والمتوفين والمفقودين، ويحفظ حق الأسر في معرفة مصير ذويها.
سجن لا ينتهي عند بوابته
خلف رقم السبعين الذين أُفرج عنهم، لا يزال عدد غير معلوم من المحتجزين داخل دقريس. وفي المقابل، وثقت جهات طبية وحقوقية أكثر من 215 وفاة خلال شهرين، وسط حالات قالت فيها أسر إنها لم تتلق إخطاراً رسمياً بالوفاة، وأخرى لم تحصل على معلومات واضحة بشأن الجثامين أو أماكن الدفن.
وتبقي هذه الوقائع ملف دقريس مفتوحاً حتى بعد بدء الإفراجات ومراجعة ملفات المحتجزين، في ظل غياب حصر مستقل ومعلن للذين مروا بالسجن، ومن لا يزالون داخله، ومن توفوا أثناء الاحتجاز، إلى جانب مصير الجثامين التي لم تصل إلى أسرها.
وبين من خرجوا أحياء ومن ثبتت وفاتهم، تبقى فئة ثالثة أقل ظهوراً في السجلات المنشورة: أشخاص لا تزال أسرهم تبحث عن معلومة تحدد مصيرهم.
وبالنسبة لتلك الأسر، لا يتعلق الأمر بعدد المفرج عنهم أو أرقام الوفيات وحدها، وإنما بمعرفة ما حدث منذ لحظة الاعتقال وحتى آخر أثر معروف لذويهم؛ من بقي حياً، ومن توفي أثناء الاحتجاز، ومن لا يزال مصيره مجهولاً خلف أبواب دقريس.








