متابعات دارفور – السودان
في صباح يوم الخميس مطلع شهر أبريل/ نيسان الحالي، تفاجأ سكان منطقة أم القرى، الواقعة شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، بجرافات وآليات ثقيلة مصحوبة بقوات الشرطة والأجهزة الأمنية، وهي تدخل الأحياء السكنية وتهدم المساكن دون سابق إنذار، ودون تمكين السكان من تسوية أوضاعهم أو إخراج أثاثهم وممتلكاتهم، بدعوى أنها منطقة عشوائية، كما روى السكان الغاضبون.
العملية، التي وصفتها السلطات بأنها إزالة لـ”سكن عشوائي”، خلّفت وراءها مشاهد صادمة من الدمار؛ منازل سُويت بالأرض بالكامل، وأثاث مبعثر تحت الأنقاض، وأسر تحاول انتشال ما تبقى من ممتلكاتها في سباق مع الزمن، بينما يقف الأطفال وسط الركام في مشهد يلخص حجم المأساة.
وصل فريق بي بي سي إلى المنطقة، التي تقع شرق الشارع الرئيسي وجنوب خط سكة حديد معطّل بالقرب من مساحات زراعية، ووجد مشاهد دمار هائل؛ فيما كان بعض السكان يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ممتلكاتهم من تحت الأنقاض، بينما كان أطفال يلعبون وسط الحطام في مشهد يعكس قسوة الواقع.
مأساة إنسانية في العراء
التقينا بحواء عبد الغفار، التي كانت تجلس داخل عريشة صغيرة صنعتها من بقايا الحطام لتقيها وأطفالها من حرارة الشمس اللاهبة، بعد أن هدمت السلطات منزلها بالكامل، الذي كانت تقيم فيه منذ أكثر من 12 عامًا، وتركتها مع أطفالها في العراء، بزعم أن المنزل أُنشئ في منطقة عشوائية.
تقول حواء إنها نزحت مع أسرتها إلى ولاية النيل الأبيض بعد اندلاع الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية، قبل أن تعود مؤخرًا استجابة لدعوات حكومية بالعودة، لكنها صُدمت بإزالة منزلها دون إيجاد بديل. وأضافت بغضب:
“نطالب الجهات التي أزالت منازلنا أن تبرر هذا الفعل، وأن تنظر في أمرنا، نحن لا نعرف إلى أين نذهب، ويجب تعويضنا لنتمكن من إعادة البناء”.
أما بدرية علي، التي كانت تقف على أنقاض منزلها في الطرف الجنوبي من المنطقة، فبدت أكثر غضبًا، خاصة أن زوجها يقاتل في صفوف الجيش منذ أكثر من عامين. تقول:
“لم نغادر طوال الحرب، لكنهم هدموا منزلنا فوق رؤوسنا، رغم أن زوجي في الجبهات”.
خلاف حول قانونية الأراضي
ويؤكد سكان أم القرى أن منطقتهم ليست عشوائية، وأن لديهم مستندات تثبت ملكيتهم للأراضي. ومن بينهم شيخ الدين آدم، الذي قال إنه اشترى الأرض عبر محامٍ وبدأ إجراءات تقنينها منذ سنوات، معتبرًا أن قرار الإزالة تعسفي.
وأضاف:
“وضعوا علامات للإزالة ومنحونا مهلة 72 ساعة قبل رمضان، لكن التنفيذ تم فجأة، دون مراعاة لظروفنا”.
قبيل الهدم، شكّل السكان لجنة للتفاوض مع السلطات، في محاولة لوقف القرار أو الحصول على بدائل، إلا أن تلك الجهود فشلت. وقال رئيس اللجنة، صديق الخليفة، إن نحو 300 منزل هُدمت دون تعويض، رغم أن الأهالي عادوا ضمن برنامج العودة الطوعية.
وأضاف:
“بعد شهر ونصف من عودتنا، بدأ ترقيم المنازل للإزالة، وقيل لنا إنها عشوائية، لكننا بدأنا بالفعل إجراءات تقنينها”.
في المقابل، دافعت السلطات عن القرار. وقال الناطق باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، إن جميع المناطق التي أُزيلت تُعد غير مرخصة، وإن السكان أُخطروا مسبقًا ومُنحوا خيارات لتوفيق أوضاعهم أو الانتقال إلى مناطق بديلة.
وأكد أن بعض الأسر استجابت وتم نقلها إلى مناطق مخططة تتوفر فيها الخدمات الأساسية، فيما سيتم تعويض أصحاب الحقوق، سواء داخل المنطقة أو في مدن جديدة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن حملة أوسع لإعادة تنظيم العاصمة، بعد استعادتها من قوات الدعم السريع، حيث شكّلت السلطات لجنة لتهيئة بيئة الخرطوم وتشجيع عودة السكان.
وترى الحكومة أن هذه المناطق تحولت إلى بؤر للجريمة والعصابات، ومخازن للمسروقات، ما يستدعي إزالتها ضمن جهود فرض الأمن.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن توقيت الإزالة يثير الجدل، خاصة في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي أدت إلى نزوح ملايين السودانيين، بينما تتزامن الإزالات مع دعوات رسمية لعودة السكان.
مخاوف من تفاقم الأزمة
ويحذر ناشطون من أن هدم المنازل دون توفير بدائل فورية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ودفع المزيد من الأسر إلى النزوح مجددًا داخل العاصمة أو خارجها.
كما يشيرون إلى أن غياب التعويضات الفورية والشفافية في الإجراءات يزيد من حالة الاحتقان، ويطرح تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين التنظيم العمراني وحماية حقوق المواطنين.
ومع استمرار عمليات الإزالة، يعيش مئات السكان في العراء، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في انتظار حلول لم تتضح بعد، وسط مخاوف من أن تتحول هذه الإجراءات إلى أزمة إنسانية جديدة في قلب العاصمة.
ونشأت هذه المناطق في أطراف المدينة الأكثر فقرًا، حيث يقطنها نازحون قدموا من ولايات أخرى بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الفقر.
غير أن الجدل هذه المرة كان أكثر حدة واتساعًا، إذ تزامنت عمليات الإزالة والهدم مع حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، خلّفت أوضاعًا إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم حاليًا، وذلك بالتوازي مع دعوات حكومية للنازحين واللاجئين في الخارج للعودة واستئناف حياتهم الطبيعية.








