متابعات دارفور: عمار نجم الدين
تتحرك الإمارات هذه الأيام داخل واحد من أعقد الملفات التي ارتبطت بالنظام السوداني منذ مطلع الألفينات: ملف محاولة تمرير عتاد عسكري لصالح سلطة بورتسودان.
ما بدأ كقضية “ضبطية” تقليدية سرعان ما انفتح على شبكة معقدة من المصالح، تضم سياسيين وضباطًا ورجال أعمال ومحامين، وبعضهم ظل لعشرين عامًا يقدم نفسه كـ “معارض للإنقاذ” بينما كان يتحرك في غرف المخابرات السودانية بصمت، ويعمل لصالح مشروع الإخوان المسلمين عبر خطوط غير مرئية.
نيابة أمن الدولة الإماراتية أعلنت امتلاكها “أدلة مادية، تسجيلات صوتية ومرئية، محادثات، عقود، وقيود مالية” تشير إلى أن القضية لا تتعلق بتهريب ذخيرة فحسب، بل بتفكيك خلية استخباراتية سودانية ناعمة عملت من داخل الخليج بين السعودية والإمارات والبحرين، متخفية خلف واجهات سياسية ودبلوماسية وبعض منظمات المجتمع المدني.
المعلومات التي تسرّبت تكشف عن مجموعة من الشخصيات السودانية التي كانت معارضة لنظام البشير وقيادات جهاز الأمن في الإعلام، لكنها – في الواقع – كانت ضمن الدوائر التشغيلية المرتبطة بغرف “العمليات الخاصة” داخل جهاز الأمن منذ العام 2000، تمارس ترتيب صفقات التسليح، وتسهيل سفر الضباط، وفتح القنوات للشركات الوهمية، وغسل الأموال، وشراء الذمم الإعلامية، وتمرير المعلومات الحساسة من قلب المعارضة إلى جهاز الأمن السوداني.
وبحسب ما تكشّف، فإن بعض هذه الأسماء كانت على صلة مباشرة بدائرة صلاح قوش وعبد الغفار الشريف منذ عام 2000 وتعمل لصالح الخلايا الخارجية التي أدارها الإخوان المسلمون داخل وخارج السودان. وبينما كانت هذه الشبكات تتحرك في الظل، كانت ترتب لصفقة عسكرية ضخمة تتجاوز كونها “تهريب ذخيرة” عادية.
فالمعلومات التي جمعتها من مصادر متعددة تشير إلى أن العملية التي ضبطت يوم ٣٠ أبريل ٢٠٢٤ م تضمنت شحنة ضخمة من الذخائر والعتاد العسكري في طريقها إلى بورتسودان، شملت ما يقارب خمسة ملايين طلقة من نوع “جيرانوف” عيار 7.62×54.7 مم، وهي ذخيرة تستخدم في الرشاشات الثقيلة والمتوسطة، إلى جانب معدات عسكرية إضافية يُرجّح أنها صينية الصنع.
كما تظهر الوثائق أن الذخائر كانت موضوعة داخل طائرة خاصة في أحد مطارات الخليج، وتم رصدها لحظة المعاينة والتحميل، مع وجود فواتير شحن وأرقام صناديق وسجلات تحويل تشير إلى وسطاء استخدموا واجهات وهمية لتمرير العملية.
التحقيقات الإماراتية وضعت إصبعها على جوانب التمويل، لتكشف أن الصفقات جرت بناءً على طلب مباشر من لجنة تسليح الجيش بقيادة البرهان ونائبه ياسر العطا، وتمويل أجزاء منها عبر شركات ظهرت للمرة الأولى في تقارير مكافحة غسل الأموال، وشركات لها ارتباطات إيرانية في بعض دول الخليج، وقنوات مالية سودانية غير خاضعة للرقابة، إضافة إلى وسطاء كانوا يقدمون أنفسهم كـ “معارضين مستقلين”. هكذا تحول الملف إلى تتبع لمسار المال الإخواني الذي غذّى الشبكات الأمنية السودانية لأكثر من عشرين عامًا.
التحركات التي ظهرت عبر تتبع المصادر تربط بين أبوظبي وأديس أبابا وجوبا والرياض ولندن والمنامة، وهو خط جغرافي لم يكن يتحرك فيه إلا عناصر مرتبطة بجهاز الأمن السوداني وتحمل غطاءً سياسيًا عبر واجهات المعارضة.
هؤلاء شاركوا في مؤتمرات المعارضة، وظهروا في الإعلام، وانتقدوا النظام، بينما كانوا جزءًا من “الخط الخلفي” الذي يدير المال والمعلومات و التحالفات السياسية لصالح غرف الإخوان المسلمين.
وبحسب ما ورد، فإن الجهة المعنية في الإمارات تمتلك تسجيلات ومحادثات ومستندات وأموالًا مضبوطة وعقودًا وتقارير فنية من بنوك داخل الدولة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل ستُعلن هذه الأدلة للرأي العام حسب ابوظبي ؟ أم أن شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية ستعقد صفقات لإغلاق الملف قبل أن تصل الحقيقة إلى الناس؟
فإن أعلنت الأدلة، فسيسقط كثير من الأقنعة عن وجوه لعبت دور “المعارضة” أمام الجمهور بينما كانت تعمل لصالح غرف أمنية سرية يديرها صلاح قوش ومحمد عطا ودوائر الإخوان المسلمين منذ عام 2000 م وإن لم تُعلن، فسترتفع تلقائيًا علامات استفهام كبرى حول نزاهة العدالة وحقوق الإنسان، وحول القوى التي تحرس ستار الصمت وتمنع الحقيقة من الظهور.








