متابعات دارفور: السودان
استقبلت ثلاث منظمات مجتمع مدني سودانية انعقاد مؤتمر برلين، الذي تنظمه وزارة الخارجية الألمانية والمنظمات والشركاء الدوليون حول السودان، بإرسال مذكرة دعت فيها إلى مناقشة ثلاث قضايا كبرى، مطالبة بوضعها في صدارة الاهتمام، وتتعلق بالأزمة الإنسانية المتفاقمة، إلى جانب حماية البيئة والحياة البرية وصون آثار السودان وتراثه الحضاري.
ودعت المنظمات الثلاث الموقعة على المذكرة ، والتي تضم منظمة سدرة العالمية ومنظمة بلوهارت ومنسقية المسار الثالث الإنساني (لا سياسي لا عسكري)، إلى أن يكون المؤتمر فرصة لا يجب أن تضيع وسنَدًا ومحطة عملية حقيقية، لا مجرد مناسبة بروتوكولية مثل المؤتمرات السابقة حول السودان.
وقال مدير منظمة سدرة العالمية محمد جمال الدين : إنهم دعوا في مذكرتهم إلى أن يضع المؤتمر الإنسان السوداني في صدارة أولوياته، وليس كرقم في تقارير النزوح واللجوء، بل كإنسان تُصان حياته وكرامته.
وأضاف أنهم دعوا أيضًا إلى أن ينص المؤتمر في جدول أعماله على ملف حماية البيئة والحياة البرية وصون آثار السودان وتراثه الحضاري، بوصفها جزءًا من أمن الإنسان السوداني وحقه في الحياة، وليس مجرد زوايا ثقافية أو ثانوية.
ولفت إلى أن السودان عانى طويلًا من الفجوة بين كثرة المؤتمرات والبيانات الدولية وضعف الأثر الفعلي على أرض الواقع، وانفصال التمويل عن احتياجات الإنسان السوداني الحقيقية.
آلية تمويل
ودعت المذكرة التي بعثت بها المنظمات الثلاث إلى إنشاء آلية تمويل إنساني عاجل متعدد المسارات، يُوجَّه جزء كبير منه مباشرة إلى الفاعلين السودانيين المحليين الموثوقين، بدلًا من أن يظل محجوزًا فيما وصفته بسلاسل “البيروقراطية الدولية”.
كما أكدت المذكرة ضرورة إقامة جسر إنساني إقليمي للسودان ودول الجوار، يضمن انسياب الغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء عبر ممرات محمية سياسيًا ودبلوماسيًا، بما يمكن من الوصول إلى مناطق النزوح والريف البعيد ومناطق “أتون الحرب”، دون أن تعرقلها الحواجز أو الاعتبارات الأمنية الأحادية من الأطراف المتصارعة.
وقال مدير منظمة سدرة العالمية محمد جمال الدين، في هذا الصدد: “إننا نرى أنه من غير المقبول أن تُنفق ملايين الأموال دون معرفة أين ذهبت وأين يذهب كل جزء منها، لذلك ندعو إلى إنشاء منصة أوروبية إقليمية لتتبع المساعدات، تصدر تقارير دورية علنية عن مصادر التمويل ونطاق الوصول والفجوات الممكنة والعوائق أمام وصول المساعدات، باعتبارها آلية رقابة ومساءلة وليست مجرد إحصاء”.
وأكد أن المذكرة أوضحت أن التمويل الإنساني لا يُقاس بمجرد الأرقام، بل بقدر ما يُترجم إلى حماية فعلية للناس على الأرض وفي الواقع المعاش.
وطالبت المذكرة بربط التمويل بآليات حماية واضحة للنساء والأطفال على وجه الخصوص، وللاجئين والمجتمعات المضيفة في دول الجوار، التي تعاني في معيشتها ومن أوضاع قانونية صعبة ومن التمييز والعنصرية، وذلك من خلال إقامة مراكز حماية ووحدات دعم نفسي وبرامج تعليم طارئ وآليات لحماية النساء من العنف ودعم العاملين في الميدان.
وقال إنَّه من غير المقبول إهمال من يرفع صوته ويبلغ عن التمييز السلبي أو التسييس أو اختفاء المساعدات، مضيفًا أنهم طالبوا بوجود نظام شكاوى مستقل وآمن يسمح للنازحين والمجتمعات المضيفة والمنظمات الميدانية برفع البلاغات دون خوف من الملاحقة أو التحريض، ودون أن يُستخدم هذا النظام كأداة تجسس أو مراقبة، بل كأداة تقويم وتصحيح.
البيئة والحياة البرية
وفيما يخص البيئة والحياة البرية، أكدت المذكرة المقدمة من منظمة سدرة العالمية ومنظمة بلوهارت ومنسقية المسار الثالث الإنساني (لا سياسي لا عسكري) إلى مؤتمر برلين أن البيئة في السودان ليست قضية ثانوية، بل شرط من شروط بقاء الناس وسبل عيشهم، خصوصًا في مناطق النزوح والريف ومجتمعات الرعي والزراعة.
وقال مدير منظمة سدرة محمد جمال الدين إنهم يدعون إلى فتح نافذة تمويل أوروبية للتعافي البيئي أثناء النزاع، تشمل إعادة تأهيل مصادر المياه، وحماية المراعي، ودعم الصحة البيطرية، وتشغيل مصادر طاقة بديلة منخفضة التكلفة لتخفيف اعتماد السكان على الاحتطاب الجائر الذي يضر بالبيئة.
وأوضح أنهم دعوا إلى دعم عيادات بيطرية متنقلة وبنوك علف مجتمعية في مناطق النزوح والريف والحدود، مشيرين إلى أن الثروة الحيوانية تمثل ركيزة بقاء لملايين الأسر، مشددين على عدم تركها بلا رعاية أثناء الحرب وبعدها.
وأشار إلى أنهم يرون أن أي تمويل إنساني كبير يجب أن يرتبط بتقرير تقييم أثر بيئي واضح، وتدابير ملموسة لحماية الغطاء النباتي ومصادر المياه وتنظيم رعي الماشية، وضمان إعادة التأهيل البيئي بشكل مستمر، وليس بعد انتهاء الحرب بسنوات طويلة.
وأفاد بأنهم اقترحوا إنشاء آلية رصد بيئي بالأقمار الاصطناعية بالشراكة مع خبراء سودانيين، لتوثيق الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب ونشر خرائط دورية للمخاطر، كأساس معلوماتي لصنع القرار، وليس مجرد صور للعرض.
نشرات حمراء للآثار
وفي ملف آثار السودان وتراثه الحضاري، أكدت المذكرة أن ما تتعرض له الممتلكات الثقافية السودانية ومتاحفها ومواقعها التاريخية ومقتنياتها ليس خسارة وطنية فحسب، بل اعتداء على إرث إنساني عالمي يرتبط بذاكرة بشرية مشتركة، وجزء من تراث اليونسكو، وكثير منه مؤهل للتسجيل.
وقال جمال الدين إنهم، لمعالجة هذه القضية، أوصوا بتشكيل خلية أوروبية دولية لحماية التراث السوداني، تضم الاتحاد الأوروبي واليونسكو والإنتربول وخبراء سودانيين مستقلين، ليس فقط لدراسة الأضرار، بل للتدخل العملي والوقائي.
وشددت المذكرة على إصدار قائمة حمراء بالممتلكات الثقافية السودانية المعرضة للخطر، تُعمم على الجمارك ودور المزادات والمتاحف وتجار التحف في أوروبا وخارجها، كوسيلة لمنع تسريب أو تهريب القطع الأثرية، ووضع ضوابط صارمة على تداولها.
وقال جمال الدين إنه يجب على الدول المعنية فرض قيود واضحة على استيراد أي قطعة أثرية أو مخطوطة سودانية مجهولة المصدر، خاصة منذ اندلاع الحرب، إلى أن تثبت أصولها القانونية، مشيرًا إلى أن أي قطعة تُباع في مزاد أوروبي اليوم قد تكون سُرقت من متحف أو مخزن محلي في الخرطوم أو نهر النيل أو سنار أو دارفور.
توثيق رقمي للتراث
ودعت المذكرة، وفقًا لمحمد جمال الدين، إلى تمويل برنامج توثيق رقمي عاجل للتراث السوداني، يشمل مسحًا وتصويرًا وتوثيقًا كاملًا للآثار والمواقع التاريخية، وتأسيس قواعد بيانات رقمية واضحة، وتدريب كوادر سودانية، وتخزين نسخة آمنة خارج السودان. وتابع قائلاً: “حتى لا تُفقد ذاكرتنا بفعل الحرق أو التفجير أو السرقة أو النهب”.
ونادت المذكرة بضرورة دعم إنشاء وحدات تدخل سريع لصون المواقع المتضررة، معدّة مسبقًا للتحرك متى ما سمحت الظروف الأمنية، ومجهزة بأبسط وسائل الحماية المؤقتة من أسوار خفيفة وسواتر وحواجز، بما يقلل من الفقد ويجعل من الممكن استعادة التراث، بدلًا من تركه لمصير مجهول أمام النهب والتعدي والخراب.
وقال جمال الدين إنهم طالبوا بألا يكون ملف نهب الآثار في إطار أجندة ثقافية فقط، بل يُدرج ضمن أجندة العقوبات والمساءلة، مضيفًا: “لذلك ندعو إلى ربطه بآليات وعقوبات دولية تستهدف كل من يثبت تورطه في نهب أو تهريب أو تدمير التراث، من شبكات أو أفراد أو جهات، وتحويلها من جرائم ثقافية إلى جرائم جنائية ومالية وأمنية ودولية”.
وأعرب محمد جمال الدين، في ختام حديثه، عن تطلعهم في منظمة سدرة ومنظمة بلوهارت ومنسقية المسار الإنساني الثالث (لا سياسي لا عسكري) إلى أن يكون مؤتمر برلين نقطة تحول، لا حلقة أخرى في سلسلة المؤتمرات.
وأضاف أنهم يشددون على ضرورة أن يترجم المؤتمر إلى قرارات عملية وآليات واضحة وتمويل محدد وشفاف وجدول زمني ورقابة حقيقية، كما أكد أهمية أن يكون للمجتمع المدني السوداني دور فاعل بوصفه شريكًا لا مجرد شاهد على المداولات.








