أزمة الوقود في السودان: حرب بعيدة تشعل معاناة يومية

متابعات دارفور – السودان

في السودان، لم تعد طوابير السيارات أمام محطات الوقود مجرد مشهد عابر، بل تحولت إلى علامة يومية على عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. تمتد الصفوف لساعات طويلة، ويتراجع الأمل في الحصول على الوقود بسرعة، بينما تتآكل ساعات العمل وتضيع فرص الدخل. هذا الواقع، كما تشير تقارير البنك الدولي، يعكس نمطًا معروفًا في الاقتصادات الهشة، حيث تنتقل صدمات الطاقة العالمية بسرعة إلى الداخل، خصوصًا في الدول التي تعتمد على الاستيراد وتعاني من ضعف الاحتياطيات.

في قلب هذه الطوابير، يقف سائقون أنهكهم الانتظار، يراقبون المضخات بقلق، بينما تنشغل أذهانهم بتكاليف يوم يوشك أن يضيع. ومع تصاعد التوترات المرتبطة بـإيران، دخلت الأزمة مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد مجرد نقص مؤقت، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تضرب قطاعات متعددة في وقت واحد.

المواصلات أول الضحايا

كانت المواصلات العامة أول من دفع ثمن هذه الأزمة. فقد تقلصت أعداد الحافلات العاملة داخل المدن، وارتفعت تكلفة التشغيل نتيجة زيادة أسعار الوقود. وبحسب تقديرات برنامج الأغذية العالمي، فإن ارتفاع الوقود يؤدي مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء والسلع الأساسية. في السودان، أصبح هذا الترابط واضحًا؛ فكل زيادة في سعر الجازولين تُترجم فورًا إلى ارتفاع في تعرفة النقل، ما يضاعف الأعباء على المواطنين.

كما أدى نقص الوقود إلى تقليص حركة النقل بين الولايات، وهو ما أثر على تدفق السلع، خاصة المنتجات الزراعية، من مناطق الإنتاج إلى الأسواق. هذا التراجع في الإمدادات ساهم في زيادة الأسعار وخلق حالة من عدم الاستقرار في الأسواق المحلية.

تضخم يمتد إلى كل شيء

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند قطاع النقل، بل امتدت إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. فارتفاع تكلفة الوقود انعكس على أسعار الخبز، والسلع الغذائية، وحتى الخدمات الأساسية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن صدمات الطاقة غالبًا ما تكون من أهم محركات التضخم في الاقتصادات النامية، خاصة عندما تكون العملة المحلية ضعيفة.

أوضحت وزارة النفط السودانية أن سعر برميل الجازولين ارتفع ثلاثة أضعاف، من نحو 78 دولارا إلى 245 دولارا، نتيجة تداعيات الحرب. وتعكس هذه القفزة حساسية السودان لتقلبات السوق العالمية، بسبب اعتماده الكبير على الاستيراد وضعف المخزون الإستراتيجي، إلى جانب تأثر الإمدادات بأي توتر في البحر الأحمر الذي يمثل شريانا رئيسيا لوصول الوقود. وأشارت الوزارة إلى أنها لا تملك سوى مطالبة المستوردين بتقليل هوامش الأرباح لتخفيف الأعباء عن المواطنين. وتكشف هذه الأزمة نمطا متكررا، إذ تنتقل تداعيات أي اضطراب إقليمي بسرعة إلى الداخل السوداني، لتتحول من أزمة طاقة إلى أزمة معيشية شاملة.

في الأسواق السودانية، بات المواطن يواجه موجة غلاء متصاعدة، حيث تضاعفت أسعار العديد من السلع خلال فترة قصيرة. كما ساهمت السوق الموازية في تفاقم الأزمة، إذ يُباع الوقود بأسعار أعلى بكثير من السعر الرسمي، ما يزيد من تكلفة النقل والإنتاج، ويؤدي في النهاية إلى تحميل المستهلك العبء الأكبر.

جذور الأزمة: من البحر الأحمر إلى هرمز

ترتبط هذه الأزمة ارتباطًا وثيقًا بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة. فالسودان يعتمد بشكل كبير على استيراد الوقود عبر البحر الأحمر، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا للإمدادات. وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على توفر الوقود داخل البلاد.

كما أن التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن. وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا المضيق يؤدي إلى اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع الأسعار بشكل فوري. كذلك تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن التوترات المرتبطة بـإيران تظل من أبرز العوامل التي تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

هشاشة داخلية تضاعف التأثير

ورغم أن جذور الأزمة خارجية، فإن تأثيرها يتضاعف بسبب عوامل داخلية. فالسودان يعاني من ضعف في البنية التحتية لقطاع الطاقة، إلى جانب محدودية المخزون الاستراتيجي. ويشير البنك الأفريقي للتنمية إلى أن العديد من الدول الأفريقية تواجه تحديات مشابهة، حيث يؤدي ضعف الاستثمار في قطاع الطاقة إلى زيادة التعرض للصدمات الخارجية.

كما أن غياب السياسات الفعالة لإدارة الأزمات، إلى جانب الاعتماد الكبير على الاستيراد، يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة. وتحذر منظمة الأمم المتحدة من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

السوق الموازية… أزمة داخل الأزمة

في ظل شح الإمدادات، برزت السوق الموازية كعامل إضافي يعمق الأزمة. إذ يتم بيع الوقود بأسعار تفوق السعر الرسمي بكثير، ما يخلق حالة من عدم التوازن في السوق. وتشير تحليلات اقتصادية مفتوحة إلى أن هذه الظاهرة تنتشر عادة في الاقتصادات التي تعاني من نقص في الإمدادات وضعف الرقابة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الأعباء على المواطنين.

كما أن وجود أكثر من سعر للوقود يربك السوق ويؤثر على قرارات المنتجين والتجار، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي.

رغم التصريحات الرسمية التي تؤكد محدودية تأثير الأزمة، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فالمؤشرات على الأرض، من طوابير الوقود إلى ارتفاع الأسعار، تعكس أزمة متصاعدة. وتؤكد تقارير رويترز والجزيرة أن الأزمات المرتبطة بالطاقة في السودان غالبًا ما تتفاقم بسبب غياب المعالجات الجذرية، والاكتفاء بحلول مؤقتة.

أزمة مفتوحة على المستقبل

في ظل استمرار التوترات الإقليمية، لا تبدو هناك نهاية قريبة لهذه الأزمة. فكلما استمرت الاضطرابات في الممرات البحرية وارتفعت أسعار النفط، زادت الضغوط على الاقتصاد السوداني. ومع غياب حلول طويلة الأمد، تبقى البلاد عرضة لتكرار مثل هذه الأزمات.

في المحصلة، لم تعد الحروب والأزمات الجيوسياسية أحداثًا بعيدة عن المواطن السوداني، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل حياته اليومية. من محطات الوقود إلى الأسواق، ومن تكلفة النقل إلى أسعار الغذاء، تتحول كل صدمة خارجية إلى عبء داخلي مباشر، يختبر قدرة المجتمع على الصمود في وجه الأزمات المتلاحقة.

تبحث عن الحقيقة؟

إشترك في مجلتنا الإخبارية ليصلك كل جديد