نفوق إبل في «درديب» يثير مخاوف من كارثة بيئية بشرق السودان

متابعات دارفور – السودان

كشف عدد من أصحاب الماشية عن تسمم قطيع من الإبل ومواشٍ أخرى في منطقة درديب بولاية البحر الأحمر، نتيجة للتلوث البيئي الخطير الناجم عن أنشطة التعدين، خاصة تعدين الذهب.

ورجّح تقرير رسمي صادر عن الممرض البيطري في دورديب، أوشيك محمود أوشيك، بتاريخ 28 أبريل المنصرم، بعد فحص ناقة، أنها شربت الماء من الأحواض المفتوحة لبقايا غسيل طواحين التعدين، حيث عُثر على الناقة النافقة بجوار الطواحين في منطقة أوقيت، مشيرًا إلى عدم إمكانية الوصول إلى نتائج مؤكدة بسبب تحلل جثة الناقة.

من جانبه، قال الباحث أبو فاطمة أونور، أصحاب الإبل اتخذوا إجراءات قانونية، معتبرًا هذه الحادثة مؤشرًا خطيرًا، إذ إن الإبل معروفة بقدرتها العالية على التحمل، مما يدل على ارتفاع تركيز السموم.

وأكد أن مناطق البحر الأحمر وشرق السودان تشهد تعدينًا مكثفًا (خاصة الذهب)، مع غياب مراعاة الجوانب الصحية والبيئية. وذكر أن الشركات المسؤولة قد تتخذ أحيانًا بعض التحوطات (مثل الأنفاق العميقة)، لكنها ليست كافية أو نموذجية دائمًا لمنع الماشية من الدخول.

من جهته، يرى الخبير البيئي الدكتور جعفر أوهاج أن ما جرى في درديب يُعد جريمة تسميم مكتملة الأركان، وليس مجرد حادث، بل نتيجة حتمية لاستخدام مواد كيميائية بالغة السمية. ولفت إلى أن عمليات التعدين الأهلي تعتمد بشكل أساسي على الزئبق والسيانيد، وهاتان المادتان تُستخدمان لفصل الذهب عن الصخور، وتُصنّفان ضمن أخطر الملوثات على مستوى العالم. فالزئبق يتراكم في التربة والمياه، مسببًا أضرارًا لا رجعة فيها، بينما يُعد السيانيد سمًا قاتلًا سريع التأثير يسبب الشلل وتوقف التنفس عند ابتلاعه.

وأشار إلى انتشار مخلفات التعدين، حيث يُقدّر أن هذا النشاط يُخلّف نحو 450 ألف طن من النفايات الملوثة بالزئبق تنتشر في أنحاء السودان، لتتحول إلى قنابل كيميائية موقوتة تُلوّث المياه الجوفية والمراعي.

التأثيرات الواسعة

يقول الباحث أبو فاطمة أونور إن التلوث يؤدي إلى أمراض خطيرة وتشوهات خلقية لدى البشر والحيوانات، كما يهدد الثروة الحيوانية التي تُعد مصدر رزق أساسيًا للمجتمعات الريفية، ويتسبب في تضرر المراعي والمزارع والأشجار، خاصة في المناطق المنخفضة التي تتجمع فيها السموم. وأوضح أن التعدين مورد غير متجدد، ولا ينبغي أن يدمر الموارد المتجددة كالزراعة والرعي.

وأضاف أن منطقة درديب جبلية ومرتفعة، وأن الأمطار تجرف كميات من السموم إلى الوديان والمياه الجوفية، في حين يعتمد السكان المحليون على هذه المياه للشرب، مما يعرضهم لمخاطر صحية جسيمة. وأكد أن المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين، مثل السيانيد والزئبق، تشكل خطرًا بالغًا.

وأشار إلى سوابق مماثلة قبل نحو خمس سنوات، حيث نفقت مجموعة من الأغنام في دروديب داخل المدينة للسبب ذاته، مما أدى إلى إغلاق الطريق القومي وإزالة الأحواض الملوثة.

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور أوهاج أن نفوق الإبل يُعد دليلًا بيئيًا مهمًا على تفاقم الكارثة، إذ إن الإبل من أكثر الحيوانات قدرة على تحمل الظروف القاسية، ونفوقها يدل على أن تركيز المواد السامة بلغ مستويات مميتة للغاية، متجاوزًا الحوادث السابقة. وقال إن هذا التطور الخطير يُنذر بأن مصادر المياه الجوفية قد أصبحت ملوثة إلى درجة قد تجعل المنطقة غير صالحة للحياة.

جرائم بيئية في غياب القانون

ويرى أوهاج أن المأساة لا تكمن فقط في وجود السموم، بل في الفوضى التشريعية والرقابية التي تسمح باستمرارها، مشيرًا إلى أن القوانين موجودة، لكنها لا تُطبّق على أرض الواقع.

وأوضح أن السودان أصدر قانون حماية البيئة لسنة 2001، وقانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين لسنة 2015، كما حظر رسميًا استخدام الزئبق والسيانيد في عام 2019، ومع ذلك تستمر المخالفات دون رادع، مما يكشف عن فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي.

ولفت إلى انهيار منظومة الرقابة، وغياب أو عجز المؤسسات الرسمية المعنية بحماية البيئة والصحة العامة، الأمر الذي يترك المجال مفتوحًا لارتكاب انتهاكات بيئية جسيمة. وأضاف أن هذا الفراغ المؤسسي يسمح بترك أحواض التعدين الملوثة مكشوفة دون أي محاسبة.

تجارب دولية

وأشار الدكتور جعفر أوهاج إلى تجارب دولية في مجال الرقابة والتقييم البيئي، مثل غانا وإثيوبيا، حيث أدى استخدام الزئبق والسيانيد إلى تلوث الأنهار ونفوق الأسماك والماشية في غانا، ما دفع الحكومة إلى تكثيف الرقابة عبر تشكيل قوة عمل بيئية مشتركة لتفكيك الأحواض السامة وضبط المخالفين.

أما في إثيوبيا، فقد أبرزت أزمة منجم «ليجي ديمبي» أهمية الإرادة السياسية، إذ أُغلق المنجم مؤقتًا بعد ثبوت أضراره على المجتمع والماشية، ولم يُسمح باستئناف العمل إلا بعد إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي وتقديم خطط معالجة صارمة.

خطوات مطلوبة

أكد الباحث أبو فاطمة أونور أن حماية البيئة وصحة المواطنين تمثل أولوية أساسية، مشددًا على ضرورة ألا يؤدي استغلال الثروة المعدنية إلى تدمير البيئة التي يعتمد عليها السكان في حياتهم، مثل مياه الشرب والزراعة والرعي.

ودعا إلى رفع الوعي الصحي والبيئي لدى الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، مشيرًا إلى أهمية دور المجتمعات المحلية في مراقبة أنشطة التعدين ومطاحن الحجر وعمليات معالجة المواد الكيميائية.

ولفت إلى ضرورة تشكيل آليات رقابية مجتمعية لمتابعة عمليات التعدين وضمان الالتزام بالمعايير المهنية والصحية، كما دعا الحكومة والشركة السودانية للمعادن والمنظمات المعنية بالبيئة والصحة إلى تكثيف جهود التوعية، خاصة في المناطق الريفية.

وشدد على أهمية الاستثمار في التعدين بأساليب مهنية لا تضر بالبيئة.

وفي السياق ذاته، دعا الدكتور جعفر أوهاج إلى مراجعة عاجلة لتوزيع مواقع شركات وطواحين التعدين، والعمل على نقلها بعيدًا عن الوديان وخطوط تصريف المياه التي تغذي المناطق الزراعية.

كما شدد على ضرورة فرض معايير صارمة، تُلزم شركات التعدين بنشر تقارير شفافة حول إدارة النفايات الكيميائية، ومعالجة الأحواض المكشوفة، ومراقبة جودة المياه الجوفية بشكل دوري.

وأكد أهمية المعالجة الشاملة للأضرار، بما يشمل التعويضات المالية للأهالي، إلى جانب تنفيذ عمليات تطهير بيئي عاجلة للأحواض الملوثة عبر جهات فنية متخصصة، لضمان إزالة آثار التلوث ومنع تكراره.

وخلص الخبير البيئي الدكتور جعفر أوهاج إلى أن تنقيب الذهب يجب ألا يكون على حساب حياة الإنسان والحيوان والبيئة، مؤكدًا أن بناء الثروة لا ينبغي أن يتم على حساب الأرواح والموارد الطبيعية.

تبحث عن الحقيقة؟

إشترك في مجلتنا الإخبارية ليصلك كل جديد